
جامعيّة الإسلام في الجمع بين حكمي العفو والقصاص
بيانات حول قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)
أهم محتويات المحاضرة: - الأوامر الأخلاقيّة في الإسلام حول العفو والتجاوز؛ - سبب علو القوانين الإسلامية ورفعتها مقارنةً بقوانين سائر المذاهب والملل؛ - كيفيّة تعامل أمير المؤمنين عليه السّلام مع قاتله؛ - وصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن عليهما السّلام حول كيفيّة التعامل مع ابن ملجم؛ - علّة عدم عفو الإمام الحسن عليه السّلام عن قاتل أمير المؤمنين.
جامعيّة الإسلام في الجمع بين حكمي العفو والقصاص
4لذلك، فإنَّ قانون القصاص أمرٌ مُسلّمٌ، وفي الإسلام قانون القصاص موجود، وقد جُعل حقّا لازمًا بيد الإنسان، بحيث حتّى لو أراد الحاكم الشرعي أن يمنعه، فليس لديه مثل هذا الحقّ! فإذا قطع شخص يد شخصٍ آخر وشاء ذلك الشخص الذي قُطعت يده الاقتصاص، فلا يستطيع الحاكم الشرعي ردعه، ومن ناحية أخرى إذا شاء أن يعفو، فلا يستطيع الحاكم الشرعي أن يجبره على القصاص؛ فالحقّ قد مُنح لذلك الفرد إن شاء عمل به وإن شاء لم يعمل! وهذه هي المرتبة العليا من التقنين للقانون الذي نصّ عليه الإسلام من أجل هذا الموضوع.
ولكن بما أنَّ حقّ القصاص قد انتشر بين النّاس، والنّاس تعلم أنّها إذا ارتكبت جنايةً فللمجنيّ عليه حقّ القصاص، فهذا العلم كافي لأن يمنعهم من اقتراف الجنايات؛ إذ أنّه من الممكن أن لا يعفو المجني عليه أو أن لا يرضى بالديّة فيقتل القاتل، أو يقطع يد الشخص الذي قطع يده! فلذلك، فإنَّ مجرد هذا العلم كافٍ للردع عن الجناية. ولكن حقّ العفو متوفرٌ أيضًا، وإذا شاء الشخص أن يعفو فهذا الحقّ بيده. لذلك في القتل العمد، يستطيع ورثة ذلك الشخص الذي وقعت عليه الجناية أن يقتصوا من القاتل، ويستطيعون التنازل والاكتفاء بالدية، ويستطيعون العفو بالكليّة، فالاختيار بيدهم!۱
إنّ هذه الآية المباركة: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَ أۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَ أَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾،٢ تُبيّن أمرًا دقيقة ولطيفًا جدًا، فهي تقول: مِن أخلاقيّات الإنسان التي جعلها الله العليّ الأعلى في رأس هذا القانون المسلّم هو أنّه يأمرنا بما يلي: إذا تعالى الإنسان عند تعامله مع الجهلاء من الناس وصرف النظر عنهم حينما يتجرؤون عليه أو عندما يسلبونه حقّاً ما أو عندما يقطعون أحد الحقوق عنه أو يسلبوه إيّاه؛ فإنَّ تعاليه هذا وتجاهله هو من لوازم كرامة الإنسان وعزّته وتعاليه! فالإنسان ليس مجبرًا أن يقطع من قطعه أو يقتصّ مِمّن ظلمه، أو أن يقابل بالمثل من حرمه. إذن فهذه الأوامر إضافةً إلى أنّها لا تتعارض مع ذلك القانون الأصلي، كذلك فإنّها تُبيّن درجةٍ أخلاقيّةٍ أدّق وأظرف!
- . لمزيد من الاطلاع حول هذا الموضوع، راجع:نور ملكوت القرآن، ج ۱، ص ۱٢ - ٣٥.
- . سورة الأعراف (۷)، الآیة ۱٩٩.
