
جامعيّة الإسلام في الجمع بين حكمي العفو والقصاص
بيانات حول قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)
أهم محتويات المحاضرة: - الأوامر الأخلاقيّة في الإسلام حول العفو والتجاوز؛ - سبب علو القوانين الإسلامية ورفعتها مقارنةً بقوانين سائر المذاهب والملل؛ - كيفيّة تعامل أمير المؤمنين عليه السّلام مع قاتله؛ - وصيّة أمير المؤمنين للإمام الحسن عليهما السّلام حول كيفيّة التعامل مع ابن ملجم؛ - علّة عدم عفو الإمام الحسن عليه السّلام عن قاتل أمير المؤمنين.
جامعيّة الإسلام في الجمع بين حكمي العفو والقصاص
2أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم
بسم الله الرَحمٰن الرَحيم
وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أعدائهم أجمعین
الأوامر الأخلاقيّة في الإسلام حول العفو والتجاوز
إنّ أحد آيات القرآن المجيد هي قوله تعالى:
﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَ أۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَ أَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾؛۱ يعني: «هناك ثلاثة توجيهات: العفو والتجاوز والغفران والأمر بالفعل الحسن والمرغوب والإعراض عن الجاهلين!».
لقد سألوا الإمام عليه السّلام: ما هو تفسير هذه الآية؟ فأجاب الإمام عليه السّلام بأنّها ثلاثة أمور:
«صِلْ مَن قَطَعَك، أعطِ مَن حَرَمَك، اُعفُ عَمَّن ظَلَمَك».٢
وكذلك تلك الأوامر الثلاثة الأوّلى هي من الأوامر التي تتصف بالكليّة، وهذه التفاسير الثلاثة التي بيّنها الإمام عليه السّلام هي من الأوامر التي يجب على الإنسان أن يعمل بها! ولكن هل هذه الأوامر، هي أوامر وجوبيّة وملزمة، أم أوامر أخلاقيّة ويعمل بها الإنسان وفقًا للاستحسان والرجحان الموجود في موضوعها؟
إنَّ القوانين الحقوقيّة التي وضعها القانون الإسلامي المقدّس؛ هي حقوق عينها الله للطرف المقابل؛ ولكن جعل إجراء ذلك الحقّ بيد ذاك الطرف فإن شاء أجراه وإن شاء عفا! على العكس ممّا لو كان الإنسان مجبورًا في إجراء ذلك القانون أو أن كان مجبورًا على العفو.
فمثلًا يوجد في بعض القوانين أنّه لو قام شخصٌ بجنايةٍ تجاه طرفٍ آخر فلا بدّ أن يقاصصه حتمًا!٣ وورد في أحكام الإنجيل أنّه لو قام شخص بجناية تجاه الآخر، فيجب على الآخر العفو عنه! وحتّى إنَّ الإنجيل ينص صراحةً على ما يلي:
«[سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ:] مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا! وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا».٤
وأمّا القانون الإسلامي المقدّس فليس بهذا النحو؛ لقد جعل القصاص حقًّا متعيّنًا لذي الحقّ:
﴿وَ إِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِ﴾؛٥ يعني: «إذا عاقبكم شخصٌ، أو آذاكم، أو ألحق بكم الضرر، يمكنكم أن تردّوها بعينها».
وكذلك قال تعالى:
﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞ﴾.٦
فإذا اقتلع شخصٌ عينَ الآخر عمدًا بالطبع، فيحقّ لذلك الشخص أن يصنع بعين الآخر مثل ما صنعه به؛ فإذا ضرب شخصٌ الآخر عمدًا وكسر سنّه، فلذلك الشخص الذي حلّ به الظلم أن يقتلع مثل ذلك السنّ الذي كُسر؛ وإذا قطع شخص يد الآخر عمدًا، فيحقّ لذلك الشخص ذو الحقّ أن يقطع يد القاطع؛ وإذا لطم شخصٌ الآخر على خدّه فيحق له أن يرد الصفعة؛ وإذا ركل شخصٌ الآخر فيحقّ له أن يرد الركلة، هذا هو قانون القصاص.
- . سورة الأعراف (۷)، الآیة ۱٩٩.
- . الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٦٤٤، مع قدرٍ من الاختلاف.
- . معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ٣۱٣، الهامش:
وقد وجدنا في الفقرة (٢٣) من الإصحاح (٢۱) من إصحاحات الخروج من التوراة الموجودة في أيدي اليهود والنصارى في هذه الأيّام ما هذا لفظه:
«إن حَصَلَتْ أذِيَّةٌ تُعْطِي نَفْساً بِنَفْسٍ وَعَيْناً بِعَيْنٍ وَ سِنّاً بِسِنٍّ وَ يَدَاً بِيَدٍ وَ رِجْلًا بِرِجْلٍ وَ كَيّاً بِكَيّ وَجَرْحاً بِجَرْحٍ وَرَضّاً بِرَضٍّا». - . إنجيل متّى، الباب ٥: «الموعظة على الجبل، سر السعادة»، الفقرة٣۸-٤۰.
- . سورة النحل (۱٦)، الآیة ۱٢٦.
- . سورة المائدة (٥)، الآیة ٤٥.
