
ستّة أوامر أخلاقيّة في سورة الحجرات (2)
أهم محتويات المحاضرة: نهي القرآن الكريم عن سوء الظن بالأخ المؤمن؛ نهي القرآن الكريم عن التجسسّ وتتبع شؤون الآخرين؛ نهي القرآن الكريم عن الغيبة؛ كيفيّة التوبة عن معصية الغيبة.
ستّة أوامر أخلاقيّة في سورة الحجرات (۲)
3«سُرعَةُ الاِستِرسالِ لا تُستَقال»۱ يعني: الشخص الذي ينزل من مكانٍ مرتفعٍ إلى الأسفل لا يُمكنه أن يحافظ على نفسه ويوقف استرساله، وسينال منه التسارع ويطرحه أرضًا!
بناءً على ذلك، يجب على الإنسان أن لا يتسرّع فيما يراه من أفعال الأخوة المؤمنين فيحمل تلك الأفعال على محمل السوء، بل يجب عليه الصبر والتأنّي والتأمّل، وعليه أن يخلق له محملًا حسنًا فلا يبادر إلى الحكم بالفساد!
جميع ذلك ناشئٌ من سوء الظنّ، وعلى الإنسان بصورةٍ عامّةٍ أن لا يُوجِد ظنّاً سيئًا في قلبه؛ فسوء الظنّ أسوءُ من كلّ الأشياء! لأنّ سوء الظنّ هذا سينال من قلبه بالتدريج، ومعنى الظنّ هو الشكّ، فإذا ظنّ الإنسان ظنّاً سيّئًا، سوف يشتدّ هذا الظنّ في المرّة الثانية، ثمّ سيُصبح أشدّ في المرّة الثالثة، ويستمرّ هكذا إلى أن يصل إلى درجةٍ بحيث لا يستطيع أن يحمل أحدًا على محملٍ حَسَنٍ، وسوف يُصبح كلّ ما يخطر في قلبه من أفكارٍ وخواطر حول الإخوة المؤمنين عبارةً عن أمورٍ سيّئةٍ، وهذا إثمٌ! ولذا، بما أنَّ بعض الظنون إثمٌ، نجد أنّ الله عزّ وجلّ يقول:
﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞ﴾!. [فحتّى لا تقعوا في هذا البعض عليكم اجتناب الكثير!].
إذن أحد المحرّمات الشرعيّة هو سوء الظنّ، خصوصًا لو رتب الإنسان أثرًا على سوء الظنّ هذا، وأفشى سوء ظنّه ذلك!
نهي القرآن الكريم عن التجسسّ وتتبع شؤون الآخرين
﴿وَ لَا تَجَسَّسُواْ﴾؛ عليكم أن لا تتجسّسوا.
الأمر الثاني: لا تتبّع أفعال صديقك في عمله وكسبه وحياته وشؤون منزله وتجارته وزراعته ووضعيّة أموره الشخصيّة التي يقوم بها! فهو يقوم ببعض الأعمال في الملأ، أي: على مرأى النّاس وفي الظاهر والجميع يعلم بها؛ ولكن بعض الأعمال تكون خاصّةً به، مثلًا: ماذا يشتري ويجلب إلى بيته؟ وكم عدد أبناءه؟ ولأيّ سبب كان هذا السفر؟ و... .
[إنّ البحث عن هذه الأمور] تجسّسٌ على أفعاله الشخصيّة وهو حرامٌ؛ فالجاسوسيّة المحرّمة في الإسلام أيضًا هي مِن مشتقات مادّة هذه الكلمة.
﴿وَ لَا تَجَسَّسُواْ﴾؛ لا فرق في التجسّس بين أن يكون ذلك في الأمر المهمّ وبين أن يكون في الأمر غير المهمّ، ولا فرق سواءً أكان في أمرٍ شخصيٍّ أم في أمرٍ عامٍّ. ومن هنا، فإذا تفحّص الإنسان وتجسّس على شؤون النّاس الخاصّة بهم وكشفها، وقد كانوا أخفوها ولا يريدون لأحدٍ الاطلاع عليها، سواء كان ذلك من أجل أن يطلع هو فقط عليها، أو لينقل الخبر للآخرين، فإنَّ هذا الأمر حرامٌ و[حرمته] من المسلّمات الشرعيّة في الإسلام.٢
- مصادقة الإخوان، ص ۸٢.
- قرب الإسناد، ص ٢٩؛ المحاسن، ج ۱، ص ۱۰٤.
