ضرورة اتباع العلم واليقين لا هوى النفس
ضرورة اتباع العلم واليقين لا هوى النفس
3هل تعلمون ما هو السراب؟ هل تواجدتم في الصحراء يومًا؟ عندما يقترب الظهر، يشتد سطوع الشمس قبل الظهر بساعةٍ أو ساعتين. وتلك الشمس التي تشرق من مكان بعيد تجعل الحصى والحجارة تتوهج، وحتّى التربة العادية وتتلألأ، فيخيل للإنسان وجود الماء في ذلك المكان البعيد. فيكون الإنسان واقفًا هنا، ولكنّه ينظر مثلًا إلى خمسمئة أو ألف متر من تلك الجهة،
فيرى بحرًا من الماء أو بحيرةً من الماء؛ ماء بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولا فرق بينها وبين الماء أبدًا! فيمشي لتصل يده إلى ذلك الماء، ولكن كلّما تقدم يرى أن ذلك الماء يبتعد أيضًا! يتقدّم خمسمئة مترٍ، والتي يجب أن تُمكّنه من الوصول إلى الماء! إلّا أنَّ هذا الماء يبتعد! فيمشي مُجدّدًا نحو الماء، ويتحرّك مئة مترٍ أخرى، فيرى أن الماء قد ابتعد مجدّدًا! وهكذا يستمرّ بالتقدّم، والماء يبتعد، وطالما أنّ الشمس موجودةٌ، فهو يتقدّم والماء يبتعد، فينتهي يومه ويمضي عمره وبالأخير يموت عطشًا ولا تصل يده إلى الماء! لأنّ ذلك الماء كان سرابًا، وليس ماءً!
فعالم الوجود مرآةٌ للماء، وليس بماء؛ عالم الوجود مرآةٌ للوجود وليس وجودًا حقيقيّاً وأصيلًا. فنحن نتبّع هذه الأشياء، ونعتقد أنّها مستقلةٌ ونرى أنّ لها قيمةً، وهكذا ينقضي عمرنا! فمثلًا يقول الإنسان: فلأذهب الآن كي أصل إلى ذلك المقام! وعندما يذهب ليصل إلى ذلك المقام، يرى أنّه لا، لقد تقدّم [ذلك المقام] إلى الأمام أكثر، فيقول: فلأقم بهذا الفعل، لعلّي أصل! ولأقم بذلك العمل أيضًا، ثمّ يرى أنّه لم يصل إليه! ثمّ ذاك الفعل، ثمّ ذاك الفعل، وهلم جرا... . إنَّ جميع البشر هكذا! فبنظر شخصٍ ما، ذلك الماء الذي سيرويه هو امرأةٌ، ولغيره طفلٌ، ولآخر هو العلم، ولشخص آخر التجارة، ولآخر السلطة، ولآخر اكتساب المقام، ولآخر المال، ولآخر الجاه، ولسواه الشجاعة و... . جميع هذه الأمور سراب يتجلّى للإنسان، وكلّما تقدّم كي يكتسب مقدارًا منها، لا يستطيع؛ ولا ترويه حتّى ولو بقطرةٍ واحدةٍ! ففي نهاية المطاف الفرض هو أنَّ هذا الماء ماءٌ كذب، والماء الكذب يقع في مقابل الماء الحقّ، والماء الحقّ يروي عطش الإنسان. فإذا شربت شربةً من الماء من كوب الماء هذا الموجود هنا وصببته في فمك فسترتوي، واختبار الأمر مجاني! فإذا وضعوا قطرةً من الماء على لسانك فسيترطّب، ولكن إذا ردّدت كلمة الماء ألف عامٍ فلن يرويك ذلك، وهذا بالوجدان والعيان!

