
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
طرح سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة مجموعة مِنَ المطالب الدقيقة والعميقة، كمقدمة لشرح بقيّة فقرات حديث الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ، وهي تمثّل مبانٍ وركائز أساسيّة في مدرسة العرفان والسلوك إلى الله تعالى، وقدّم لذلك مباحثًا. أمّا المباحث فهي؛ في حقيقة علم الأولياء، متّى يكون القرآن قرآنًا نورانيًّا، عدم الازدواجيّة في المواضيع الّتي تُطرح بين العامّ والخاصّ. أمّا المقدّمات والمباني فمنها: تحوّط الأولياء الإلهيّين في الأسرار، الاهتمام بالكليّات، التعرّف على حقيقة المعصوم والارتقاء في طاعته، الاستفادة المُثلى مِنَ الوسائل الدنيويّة، طاعة المعصوم والوليّ الإلهيّ لا تتوقف على حضورهم وغيابهم، التسليم للحقائق والأسرار، التمييز بين الطاعة الشخصانيّة والطاعة المبدئيّة، وفي أنّ مستوى الإدراك يحدّد مستوى الكلام. ثمّ ختم سماحتُه بمجموعة مِنَ التوصيات السلوكيّة لشهر رجب خصوصًا ولشهري شعبان ورمضان عمومًا، والّتي إذا ما روعيت لأزهرت شقائق النعمان.
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
15فليس مِنَ الصحيح أن يضع الإنسان هاتفه المحمول جنب سجّادة صلاته، لكي يعرف مَن الّذي يتصّل به في هذا الوقت! فذلك ليس بسالك. أو أن يرنّ التلفون في جيب المرء وهو مشغول بالسؤال عن أموره العقائديّة، فمِثل هذه التصرّفات مخالفةٌ لآداب المعاشرة؛ نعم على المرء أن يستفيد من هذه الأدوات بأمثل وجه، لكي يكون هو المهيمن على ما يحيط به مِن ظروف، لا أن يكون مقهورًا ومغلوبًا لها؛ فالخسارة تتمثّل في تضييع الفرص.
طاعة المعصوم والوليّ الإلهيّ لا تتوقف على حضورهما وغيابهما
إمام الزمان عليه السلام، الّذي له كلّ هذه الخصائص، يقول: لا ينبغي لك الاستماع إلى كلامي فقط في حال حضوري بجنبك، إذ لا معنى عندي للغيبة والظهور، ولا يفرق الأمر عندي شيئًا بين أن أكون في السجن أو أكون جالسًا إلى جنبك. لقد سُجن الإمام موسى بن جعفر مدةَ أربع سنوات، فهل فَقَدَ الإمام إمامته في هذه السنوات الأربع؟! لا، بل هو الإمام والحاكم والوالي على جميع عالَم الوجود، وهو واسطة الفيض بين الله وخلقه [في جميع الأحوال]، وقيامه بعمله الولائيّ لا يفرق قيد شعرة، فيما إن كان سجينًا مقيّدًا بالأغلال وتحت تعذيب أتباع هارون، أو كان في بيته بين عائلته.
إن ألمنا رأسنا لدقائق، لن نتمكّن [حينئذ] مِنَ التكلّم مع صديقنا وسنقوم بصرفه عنّا، أمّا الإمام والوليّ وواسطة الفيض بين الله وخلقه [فلا يفرق الأمر عنده شيئًا] وإن كان واقعًا تحت التعذيب، فلا تعيقه الأغلال والسلاسل عن ذلك.
لقد أخذوا الإمام السجّاد مِن كربلاء إلى الكوفة، وهو مقيَّد بالأغلال، والدماء تنزف مِن تحت حلقات السلاسل، ثمّ نقلوه وهو على هذه الحال إلى الشام، وبقي فيها عدّةَ أيّامٍ، إلى أن أمر يزيد بفتح تلك الأغلال عن الإمام؛ فقد كان الإمام السجّاد عليه السلام طيلة تلك الفترة هو الإمام وصاحب مقام الولاية الكليّة، فهل عندنا مَن يُقارن بالإمام!! وكان جميع عالَم الوجود يرتزق مِن خلال نافذة نفس الإمام السجّاد – وهو على تلك الحال – بمَن فيهم أولئك الّذين أسروه وحملوه معهم، كالشمر وأمثاله. فلو أراد الإمام لأصبحوا في لحظة واحدة هباءً منثورًا وعدمًا محضًا. عندما كان يزيد ينظر إلى الإمام مكبّلًا بالأغلال، وهو جالس على عرشه، كان يتصوّر أنّ الإمام أسيرٌ لديه، والحال أنّه لو كان هناك مَن يمتلك عينًا تستطيع رؤية حقيقة ما يجري، لرأى أنّ يزيد المسكين هو الأسير لدى الإمام، لا أن الإمام هو الأسير عند يزيد. فإنّ الإمام في تلك اللحظة كان يأمر عزرائيل بقبض روح هذا وذاك، وأنت تتصوّره أسيرًا لديك يا يزيد! والإمام هو الّذي يأمر جبرائيل بإفاضة العِلم على هذا وذاك، وأنت تتصوّره أسيرك! هذا هو مقام الإمام.
