
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
طرح سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة مجموعة مِنَ المطالب الدقيقة والعميقة، كمقدمة لشرح بقيّة فقرات حديث الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ، وهي تمثّل مبانٍ وركائز أساسيّة في مدرسة العرفان والسلوك إلى الله تعالى، وقدّم لذلك مباحثًا. أمّا المباحث فهي؛ في حقيقة علم الأولياء، متّى يكون القرآن قرآنًا نورانيًّا، عدم الازدواجيّة في المواضيع الّتي تُطرح بين العامّ والخاصّ. أمّا المقدّمات والمباني فمنها: تحوّط الأولياء الإلهيّين في الأسرار، الاهتمام بالكليّات، التعرّف على حقيقة المعصوم والارتقاء في طاعته، الاستفادة المُثلى مِنَ الوسائل الدنيويّة، طاعة المعصوم والوليّ الإلهيّ لا تتوقف على حضورهم وغيابهم، التسليم للحقائق والأسرار، التمييز بين الطاعة الشخصانيّة والطاعة المبدئيّة، وفي أنّ مستوى الإدراك يحدّد مستوى الكلام. ثمّ ختم سماحتُه بمجموعة مِنَ التوصيات السلوكيّة لشهر رجب خصوصًا ولشهري شعبان ورمضان عمومًا، والّتي إذا ما روعيت لأزهرت شقائق النعمان.
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
12ذهبتُ يومًا لزيارة إحدى تلك المحطّات، وكنّا ننظر مِن وراء نافذة مشبّكة، فقال لنا المشرف: لو مدَّ أحدكم إصبعه عبْر هذا الشبّاك وإن لم يمسَّ أيّ سلك، سيتحوّل بدنه إلى فحم، لماذا؟ لأنّنا لا نستطيع تحمّل الذبذبات المنبعثة مِن هذا التيّار الكهربائيّ. غير أنّ هذا الفولت البالغ مائتين وعشرين يمكن خفضها بواسطة محوّلات كهربائيّة إلى عشرة أو خمسة فولت، وحينها يمكنك لمس السلك الناقل لها دون أن تتأذّى، نعم قد يرتعش الجسم قليلًا عندئذ.
فلو أراد عِلم الله أن ينزل على الأفراد، دون تنظيم كيفيّته عن طريق وسيط، وبدون أن يوزّع بين الناس بحسب سعة نفوسهم، فسيُجنّ المرءُ بكلّ تأكيد خلال ثانيةٍ واحدة فقط، هذا إن لم يَمُت خلالها؛ هذا ممّا لا شكّ فيه؛ ولقد حصل هذا للكثير مِنَ الناس، مع أنّ ما تعرّضوا له لم يكن شيئًا يُذكر. وهكذا هو الحال بالنسبة إلى لطف الله وغضبه ومحبّته وفيضه. ولكن عليكم أن تعلموا أنّ هذا الإنسان – الّذي لا يتمكّن مِن تحمّل نزول ذلك العلم عليه لمدّة ثانية أو لحظة واحدة – يستطيع أن يصل إلى المقام الّذي قال الله عنه «لَا يَسَعُنِي أرْضِي وَلَا سَمَائِي، بَلْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤمِن بِي»۱؛ فلا الأرض ولا السماء قادرتان على تحمّلي عندما أتجلّى لهما، غير أنّ قلب عبدي المؤمن قادرٌ على ذلك؛ أي إنّه قادر على تحمّل الفولت البالغ ثلاثمئة ألف؛ ففي الوقت الّذي يُصعق فيه الإنسان بالفولت البالغ خمسين أو مئة، يكون النبيّ قادرًا على تحمّل الفولت البالغ ثلاثمئة ألف، [فهو التجلّي الأعظم الوارد في دعاء] «اللهمّ إنِّي أسألك بالتجلِّي الأعظم»٢؛ لا تنسوا قراءة هذا الدعاء في ليلة السابع والعشرين مِن شهر رجب أيّها الإخوة، فلا بدّ مِن قراءته، حيث كان العظماء يؤكِّدون على قراءة هذا الدعاء في تلك الليلة، والمقصود منه هو النبيّ، فهو التجلِّي الّذي ليس فوقه تجلٍّ، فلم يَخلق الله تجلٍّ أعظم منه، فهذا التجلِّي هو عبارة عن نفس النبيّ. فما هي طبيعة نفس النبيّ، الّتي لها القابليّة على تحمّل الفولت البالغ ثلاثمئة ألف! فمعنى «اللهمّ إنِّي أسألك» هو: إنَّني أجعل النبيّ وسيلتي لاستجابة دعائي «في هذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ الشَّهْرِ الْمُعَظَّم»؛ هذا الدعاء عالي المضامين، وفيه يسأل العبدُ ربَّه أن يفعل به كذا وكذا.
- معرفة المعاد، ج ٢، ص ٢۰۸؛ وجاء الحديث في عوالي اللئالئ، ج ٤، ص ۷ بهذا اللفظ: لا يسعُني أَرضي ولا سمائي ولكنْ يسعُني قلبُ عبدي المؤمن. (م)
- البلد الأمين، الشيخ الكفعمي، ص ۱۸٣. (م)
