
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
طرح سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة مجموعة مِنَ المطالب الدقيقة والعميقة، كمقدمة لشرح بقيّة فقرات حديث الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ، وهي تمثّل مبانٍ وركائز أساسيّة في مدرسة العرفان والسلوك إلى الله تعالى، وقدّم لذلك مباحثًا. أمّا المباحث فهي؛ في حقيقة علم الأولياء، متّى يكون القرآن قرآنًا نورانيًّا، عدم الازدواجيّة في المواضيع الّتي تُطرح بين العامّ والخاصّ. أمّا المقدّمات والمباني فمنها: تحوّط الأولياء الإلهيّين في الأسرار، الاهتمام بالكليّات، التعرّف على حقيقة المعصوم والارتقاء في طاعته، الاستفادة المُثلى مِنَ الوسائل الدنيويّة، طاعة المعصوم والوليّ الإلهيّ لا تتوقف على حضورهم وغيابهم، التسليم للحقائق والأسرار، التمييز بين الطاعة الشخصانيّة والطاعة المبدئيّة، وفي أنّ مستوى الإدراك يحدّد مستوى الكلام. ثمّ ختم سماحتُه بمجموعة مِنَ التوصيات السلوكيّة لشهر رجب خصوصًا ولشهري شعبان ورمضان عمومًا، والّتي إذا ما روعيت لأزهرت شقائق النعمان.
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
5متى يكون القرآن قرآنًا نورانيًّا
إنّ أولياء الله يعلمون كلّ شيء، فهم ليسوا بحاجة إلى أن يُطلب منهم شيئًا بواسطة الرسائل. على أنّك إن عرضتَ تلك الرسالة على أحد علماء [الظاهر] لقال لك: إنّ هذا الرجل على استعداد لفصل رأسه عن جسده، وعلى التضحية بنفسه [مِن أجل أستاذه]. فالأمر يختلف كثيرًا بين الحالتين، ولهذا السبب يُنهى عن متابعة أيٍّ كان؛ فلا تدري ماذا أحدثت مِثل هذه الرسائل مِن اختلافات في العالَم الإسلاميّ، وماذا أحدثت تلك الأكاذيب [مِن فجائع]! إنّ عباد الله الّذين أَرسلوا إليهم مِثل تلك الرسائل، لم يكونوا على عِلم بحقيقة الأمر، فهم لا يعلمون شيئًا غير ما يسمعونه مِنَ المحيطين بهم مِن عبارات الطاعة المطلقة؛ ألم يصدر نفس هذا الشيء مِمّن كانوا يحيطون بالملوك والسلاطين؟ أيّ كلام كان يصدر مِن هؤلاء؟ [كانوا يُظهرون لهم التبجيل والتعظيم] والحال أنّهم لم يكِنّوا لهم أيّ مقدار مِنَ الاحترام في قلوبهم.
أمّا وليّ الله، فهو ما إن يُلقي نظرة على بسملة الرسالة، حتّى يعلم منها خداع المُرسِل، فهو لا يحتاج إلى أن يقرأ الرسالة؛ فللبسملة المكتوبة بنيّة صادقة تلألؤٌ خاصٌ، أمّا تلك الّتي يكتبها مَن يحاول الخداع، فهي ظلمانيّة؛ فكلتا الجملتين بسملة، ولا يمكن مسّهما باليد۱، وهو أمر عجيب حقًّا، إذ البسملة المكتوبة عن حقيقةٍ، فهي نورٌ، يستطيع أن يراها مَن له سنخيّة مع ذلك النور، أمّا إن عُرضت علَيَّ أنا، فلن أتمكّن مِن تمييزها عن الأخرى [المكتوبة عن غير حقيقة]، بل لعلّ هذه الأخيرة تكون مكتوبةً بخطٍ أجمل، ولكنّها خالية مِنَ النور.
لقد أَمر أميرُ المؤمنين بضرب تلك المصاحف [الّتي رُفعت مكرًا على الرماح في صفّين]، وذلك لأنّها لم تعُد نورانيّة؛ فالقرآن الّذي إن وجدّتَ جزءً منه على الأرض، لتوجّب عليك أن ترفعها وتقبّلها وتُعيدها إلى مكانها، أو أن تلقيها في النهر، فإنّ هذا القرآن نفسه إذا رُفع بوجه علِيٍّ، لا بدّ حينئذ مِن ضربه بالسهام وتمزيقه وإتلافه، وذلك لأنّ هذا القرآن قد أصبح قرآنًا باطلًا، فهو لا يتعدّى [والحال هذه] كونه حبرًا، ولا يتعدّى كونه كتابًا مطبوعًا، أو ورقًا أو جلدًا، فلم يعُد قرآنًا في هذه الحالة. إنّ القرآن النورانيّ هو ذلك القرآن الّذي يخرج مِن فَمِ أمير المؤمنين، أو مِن فَمِ الإمام الحسن، أو الإمام الحسين، أمّا أولئك الّذين خرجوا لقتال ابن رسول الله في يوم عاشوراء، وإن كانوا يقرؤون القرآن أيضًا، إلّا أنَّهم كانوا يقرؤون ذلك القرآن المنزل على يزيد أو على عُمَر بن سعد، لا القرآن الّذي أُنزل على رسول الله.
- ربما قصَد سماحته أنّه لا يجوز مسّهما مِن غير وضوء. (المترجم)
