
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
طرح سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة مجموعة مِنَ المطالب الدقيقة والعميقة، كمقدمة لشرح بقيّة فقرات حديث الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ، وهي تمثّل مبانٍ وركائز أساسيّة في مدرسة العرفان والسلوك إلى الله تعالى، وقدّم لذلك مباحثًا. أمّا المباحث فهي؛ في حقيقة علم الأولياء، متّى يكون القرآن قرآنًا نورانيًّا، عدم الازدواجيّة في المواضيع الّتي تُطرح بين العامّ والخاصّ. أمّا المقدّمات والمباني فمنها: تحوّط الأولياء الإلهيّين في الأسرار، الاهتمام بالكليّات، التعرّف على حقيقة المعصوم والارتقاء في طاعته، الاستفادة المُثلى مِنَ الوسائل الدنيويّة، طاعة المعصوم والوليّ الإلهيّ لا تتوقف على حضورهم وغيابهم، التسليم للحقائق والأسرار، التمييز بين الطاعة الشخصانيّة والطاعة المبدئيّة، وفي أنّ مستوى الإدراك يحدّد مستوى الكلام. ثمّ ختم سماحتُه بمجموعة مِنَ التوصيات السلوكيّة لشهر رجب خصوصًا ولشهري شعبان ورمضان عمومًا، والّتي إذا ما روعيت لأزهرت شقائق النعمان.
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
16فالإمام عليه السلام هو تلك الحقيقة والولاية الّتي لا تتجلّى فقط عندما يكون أمام أعيننا، فنحن مَن نراه بهذه الكيفيّة! أمّا ولايته فهي ليست بهذا الشكل الّذي نراه. بناءً على هذا، لن نجني مِن طاعتنا للإمام عليه السلام، إذا كنّا نطيعه وفق ما نعتقده فيه، مِن كونه [فقط] إمامًا وصاحبَ ولايةٍ وله ما له مِن تلك الصفات المذكورة في الكتب، ووفق ما يصوّره لنا وعّاظُ وأئمّة المنابر مِن تصاوير عن إمام الزمان، بل يجب أن يكون الإمام عليه السلام موجودًا في نفوسنا بالشكل الّذي لا تختلف مكانته في قلوبنا، سواء كان في غيبةٍ وغيرَ حاضر بيننا بحسب الظاهر، أو كان جالسًا إلى جانبنا الآن ومتّكئً على إحدى هذه الوسائد. فإن لم يفرق الأمر عندنا قيد شعرة [بين هاتين الحالتين]، سنكون قد وصلنا توًّا إلى مرحلة السلوك العقلانيّ، وفي هذه الحالة لن نحتاج إلى مَن يُذكّرنا بشكل دائم، ولن نحتاج إلى ضرورة أن نسمع أمرًا ما مِن أحد العظماء [لكي نبادر إلى العمل].
كنتُ في سابق الزمان، علاوة على متابعة دروسي الرسميّة، أقرأ بعض الكتب الّتي أتشوّق لها، وكان المرحوم العلّامة يقول لي: مِنَ المُبكِر أن تبدأ بهذا العمل في الوقت الحاضر.. كنتُ أعتقد في نفسي بأنّ المرحوم العلّامة لم يكن على عِلم بما أقوم به؛ لقد حصل ذلك عندما كان عمري حدود الاثنين والعشرين؛ فدخل المرحوم العلّامة غرفتي يومًا، ووجدني أقرأ تلك الكتب، فقال لي: لم يَفُتك الوقت لقراءة هذه المواضيع يا عزيزي، فعليك الاشتغال بما هو أهمّ منها. فانفعلتُ حينها، ومع ذلك قلتُ له: سمعًا وطاعة، لن أقرأها بعد الآن. عندها وقف المرحوم العلّامة والتفت إليَّ قائلًا: لماذا قلتَ (سمعًا وطاعةً)؟! التفتوا إلى أنّ قولي (سمعًا وطاعةً) كان عن جدٍّ، فلم أقرأ تلك الكتب حتّى مضت عدّة سنوات على ذلك. وقال لي: هل فهمتَ سبب منعي لك مِن قراءتها حتّى تستجيب لي بقولك (سمعًا وطاعةً)، أم أنّك قلتها لأنّني أنا أمرتك بذلك؟ قلتُ: بل لأنّكم أمرتني بذلك. فقال لي: لا فائدة في طاعة مِن هذا النوع.
