
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
طرح سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة مجموعة مِنَ المطالب الدقيقة والعميقة، كمقدمة لشرح بقيّة فقرات حديث الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ، وهي تمثّل مبانٍ وركائز أساسيّة في مدرسة العرفان والسلوك إلى الله تعالى، وقدّم لذلك مباحثًا. أمّا المباحث فهي؛ في حقيقة علم الأولياء، متّى يكون القرآن قرآنًا نورانيًّا، عدم الازدواجيّة في المواضيع الّتي تُطرح بين العامّ والخاصّ. أمّا المقدّمات والمباني فمنها: تحوّط الأولياء الإلهيّين في الأسرار، الاهتمام بالكليّات، التعرّف على حقيقة المعصوم والارتقاء في طاعته، الاستفادة المُثلى مِنَ الوسائل الدنيويّة، طاعة المعصوم والوليّ الإلهيّ لا تتوقف على حضورهم وغيابهم، التسليم للحقائق والأسرار، التمييز بين الطاعة الشخصانيّة والطاعة المبدئيّة، وفي أنّ مستوى الإدراك يحدّد مستوى الكلام. ثمّ ختم سماحتُه بمجموعة مِنَ التوصيات السلوكيّة لشهر رجب خصوصًا ولشهري شعبان ورمضان عمومًا، والّتي إذا ما روعيت لأزهرت شقائق النعمان.
السلوك العقلانيّ في مدرسة التوحيد والعرفان
13لنفس الإمام وولايته دورُ تلك المحوّلات الكهربائيّة الّتي تستلم التيّار الكهربائيّ مِن محطّة التوليد الرئيسيّة فتوزّعه على المصانع والبيوت والدوائر الحكوميّة وعلى كافّة الأجهزة الكهربائيّة والبطّاريات والمصابيح، بما فيها المصباح الصغير الّتي لها طاقة واط واحد، وتوصله إلى كافّة الذرّات، وإلى تلك البعوضة وإلى ذلك الموجود الصغير الّذي يطير في الهواء؛ هكذا هي نفس الإمام، فهي تعمل عمل الوسيط.
التعرّف على المعيار الأسمى في طاعةِ المعصومِ
فما دامت أسماء وصفات الله الكليّة تتجلّى في عالَم المظاهر، فنفس إمام الزمان عليه السلام، هي الّتي تقوم بهذا العمل. وها هو إمام الزمان يقول لنا: لا تطيعوني لمجرّد كوني إمامًا، له ما له مِن قدرةٍ وهيبة وهيمنة وجلال وعظمة في نفوسكم، فإن أطعتموني لهذه الصفات، لن تكونوا قد أطعتموني، بل أنا ذلك الإمام الّذي يجب أن يكون وجودي وعدمه بالنسبة إليكم واحدًا، ويجب أن يكون وجودي في السجن وكوني طليقًا بالنسبة إليكم سواء. فليس مِنَ الصواب الذهاب إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) والتسليم عليه بالقول (السلام عليك يا بن رسول الله) ما دام موجودًا في المدينة، ثمّ إن سجنه هارون يتمّ نسيانه، [فلو كان الأمر كذلك] فلا يَعُد ذلك هو موسى بن جعفر! وهذا ما كانوا يفعلونه مع الإمام الرضا عليه السلام عندما كان في المدينة؛ فكانوا يتردّدون على داره ويسلّمون عليه ويعظّمونه ويطيعونه، حتّى إذا خرج مِنَ المدينة وجاءهم مَن ينقل إليهم أمرًا مِنه، وجدتهم يتوانون في تنفيذه! لا فائدة في تعامل كهذا.
مَن يجلس مقابل إمام الزمان ويتكلّم معه بصورة مباشرة، سوف تغلب عليه المشاعر والعواطف والأوهام والخيال، وسيتقبّل كلام الإمام على هذا الأساس، لا أنّه يتقبّله مِنَ الإمام لكونه إمامًا؛ فهل انتقص شيء مِن شخصيّة إمام الزمان لكونه غائبًا عن الأنظار في الوقت الحاضر؟! وهل يجب أن يكون الإمام ظاهرًا لكي نتقبّل ما يقوله؟! وهل يتوجّب أن نلتقي به في مجلس خاصّ لكي نتقبّل أوامره؟! فما الّذي يجنيه ذلك القائل: لقد منحني الإمام فرصةً للقائه، [ثمّ يقول للآخر] ألم يمنحك مثل هذه الفرصة؟ إنّه لا يجني شيئًا، ولا يُعتبر هذا نوع مِن أنواع الطاعة له. فكلّ هذا يحصل نتيجة الوقوع تحت تأثير هيمنة شخصيّة إمام الزمان، ليس نوعًا مِن أنواع الطاعة له. فبالرغم أنّك تقبل قول الإمام في حالتك هذه، غير أنَّ هذا ليس هو المطلوب، بل هو دون ما يجب الحصول عليه.
