
المقام الحقيقيّ للإنسان ولزوم الجهاد للوصول إليه
ما معنى إنّك كادح إلى ربّك كدحًا فملاقيه؟ وما هي أعظم النعم والعطايا الإلهيّة التي هيأها الله للإنسان للوصول إليه؟ وما معنى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم؟ وما أنواع الناس في هذه الدنيا؟ وما هي حقيقة أحوال الذين صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالملأ الأعلى؟ كيف كانت علاقة المرحوم العلاّمة بمسجد القائم؟ تبحث هذه المحاضرة حول هذه المواضيع وتجيب عن تلك الأسئلة بأفضل بيان موضّحة حقيقة مقام الإنسان والخسارة العظمى التي تصيبه لو تلهّى بحطام الدنيا معرضًا عن لقاء ربّه.
المقام الحقيقيّ للإنسان ولزوم الجهاد للوصول إليه
الوصف:
ما معنى إنّك كادح إلى ربّك كدحًا فملاقيه؟ وما هي أعظم النعم والعطايا الإلهيّة التي هيأها الله للإنسان للوصول إليه؟ وما معنى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم؟ وما أنواع الناس في هذه الدنيا؟ وما هي حقيقة أحوال الذين صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالملأ الأعلى؟ كيف كانت علاقة المرحوم العلاّمة بمسجد القائم؟ تبحث هذه المحاضرة حول هذه المواضيع وتجيب عن تلك الأسئلة بأفضل بيان موضّحة حقيقة مقام الإنسان والخسارة العظمى التي تصيبه لو تلهّى بحطام الدنيا معرضًا عن لقاء ربّه.
المقام الحقيقيّ للإنسان ولزوم الجهاد للوصول إليه
9{ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ...}؛۱ كان هناك أناس جاؤوا إلى هذه الدنيا أيضًا وكانوا فيها، وكان لهم فيها مال وتزوّجوا وعملوا فيها بالتجارة واشتغلوا فيها بالعلوم المتعارفة وغير المتعارفة، ولكنّهم لم يتركوا قلوبهم تتعلّق بها، هذا هو المهمّ. رأوا الله مالكًا لجميع الأمور، لا أنفسهم، عدّوا هذه الأمور اعتباريّة، لا حقيقيّة، رأوا أنفسهم عبادًا وفي يد قدرة الله وعبادًا للمولى، لا أنّهم رأوا أنفسهم أسيادًا وأحرارًا. وكما قال موسى بن جعفر عن بشرٍ الحافي: «أعبدٌ صاحب هذه الدار أم حرّ؟ فقالت: حرّ. فقال: «صدقت لو كان عبدًا لخاف من مولاه»٢.
فالعبد لا يمكنه أن يتصرّف في أمور مولاه، ويعمل خلاف ما يقوله وخلاف رضاه، لأنّه ليس له أيّ اختيار من نفسه. نحن نرى أنفسنا أحرارًا وأسيادًا، لا نرى أنفسنا عبيدًا لله ولا نشعر بالعبوديّة لله، لو كنّا نشعر بذلك لاختلف سلوكنا وأفعالنا.
إنّ رواية عنوان البصري رواية عجيبة يقول فيها الإمام الصادق عليه السلام لعنوان ـ وقد كان المرحوم العلاّمة يوصي مريديه دائمًا بمطالعتها ويقول: عندما كنت في النجف أنا بنفسي كنت أعمل بهذا الأمر وعلى الأقلّ كنت أطالعها في الأسبوع مرّتين٣.
{وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ}٤؛ على الإنسان أن يكون دائم التذكّر.
في هذه الرواية كامل همّ الإمام الصادق هو أن يوصي عنوان بأن يعدّ نفسه عبدًا لله. إن حصّلت مالاً فاعلم أنّه لله، هو مال الله وأنت مجرّد واسطة ووكيل، أنت لست موكِّلاً، إذا تزوّجت فاعلم أنّك تحت قيّوميّة الله وملكيّته، ولا يمكنك أن تتصرّف مع زوجتك وعيالك كما يحلو لك، ولا يمكنك أن تأمرهم بما يحلو لك! يحقّ لك أن تأمر وتنهى تحت ولاية الله، لا أكثر ولا أقلّ. هناك أمانة إلهيّة في يدك، وأنت عليك أن تقوم في مقام التربية بمقدار أمر الشرع وحكمه ورضا الله، وإذا ما أفرطت فقد تصرّفت في حقّ مولاك، وإذا ما قصّرت تكون أيضًا قد تصرّفت في حقّ مولاك وخالفت أمره ونهيه. عندما تتعامل مع الناس فعليك أن تعلم أنّك أنت نفسك عبد وجميع الناس الذين تتعامل معهم عباد أيضًا. فإيّاك أن تغشّ في المعاملة، وإيّاك أن تقول غير الحقّ في تجارتك ومعاملاتك، أن تقول غير الحقّ وتغشّ في المعاملة فهذا يعني خداع الله. أنت تتعامل مع عبد الله، مع عبد هو أيضًا ليس له اختيار وهو أيضًا تحت تكفّل الله، فمن تريد أن تخدع؟! من تريد أن تغشّ؟! أتريد أن تغشّ عبد الله؟! أنت مخطئ! أنت تغشّ الله والله لا يخدع؛٥ {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَهُ وَٱللَهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ}٦.
- سورة مریم (١٩) الآیة ٧٢.
- العلامة الحلّي، منهاج الكرامة، ص ٥٩: اجتاز [الإمام الكاظم عليه السلام] على داره ببغداد، فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار، فخرجت جارية وبيدها قمامة البقل، فرمت بها في الدرب: فقال لها: «يا جارية ! صاحب هذه الدار حرّ أم عبد ؟ فقالت: بل حر فقال: صدقت، لو كان عبدا خاف من مولاه»!.
فلما دخلت قال مولاها وهو على مائدة السكر: ما أبطأك علينا ؟ فقالت: حدثني رجل بكذا وكذا، فخرج حافيًا حتى لقي مولانا الكاظم عليه السلام فتاب على يده . - راجع آیین رستگاری، ص ١٦٨. وفي الترجمة العربية: سبيل الفلاح، المحاضرة السادسة، ص ۱۰.
- سورة الذاریات (٥١) آلآیة ٥٥.
- للاطّلاع الكامل على مضمون الروایة المعروفة بحدیث عنوان البصري يراجع: بحار الأنوار، ج ١، ص ٢٢٤ ـ ٢٢٦؛ الروح مجرّد، ص ١٧٦ ـ ١٨٥.؛ سلسلة محاضرات المصنّف رضوان الله عليه في شرحها. (م)
- سورة آل عمران (٣) الآیة ٥٤.
