
المقام الحقيقيّ للإنسان ولزوم الجهاد للوصول إليه
ما معنى إنّك كادح إلى ربّك كدحًا فملاقيه؟ وما هي أعظم النعم والعطايا الإلهيّة التي هيأها الله للإنسان للوصول إليه؟ وما معنى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم؟ وما أنواع الناس في هذه الدنيا؟ وما هي حقيقة أحوال الذين صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالملأ الأعلى؟ كيف كانت علاقة المرحوم العلاّمة بمسجد القائم؟ تبحث هذه المحاضرة حول هذه المواضيع وتجيب عن تلك الأسئلة بأفضل بيان موضّحة حقيقة مقام الإنسان والخسارة العظمى التي تصيبه لو تلهّى بحطام الدنيا معرضًا عن لقاء ربّه.
المقام الحقيقيّ للإنسان ولزوم الجهاد للوصول إليه
4ليس تجلّي مظهر قهّارية الحقّ في ذاك العالم فحسب، ولا تخلو الجنّة من السكّان بواسطة ترك الأعمال الحسنة، بل جميع الأعمال التي يطويها الإنسان في هذه الدنيا هي في النهاية غير خارجة عن حكومة الله. وفي حركته في أيّ طريق، يتعلّق به ظهورُ واحدٍ من الأسماء الإلهيّة. إذا ما عفونا في هذه الدنيا وآثرنا، تعلّق بنا ظهور اسم الجواد، وإذا ما كنّا رحماء عطوفين وتصرّفنا بشكل جيّد وراعينا الجميع في علاقاتنا تعلّق بنا ظهور اسم الرحمة. إذا كنّا في هذه الدنيا صالحين وعملنا بالتكاليف تعلّق بنا هناك القرب من الله.
وأمّا إذا كان العكس فخرجنا من التكاليف، وأوكلنا زمام أمورنا إلى الشيطان وأردنا أن نتجاوز عن أوامر الله ونواهيه، فاعلموا أنّ الجنّة لن تكون خالية، فقد خلق الله لجنّته أناسًا، فليس نظام التكاليف والأحكام الشرعيّة الإلهيّة بالذي يبقى خاليًا. هناك سعادة ومائدة بسطت، فكلّ من كانت له همّة واستعداد وكلّ من كان يفكّر في نفسه وفي سعادته في ذلك العالم فإنّه يجلس على هذه المائدة، ومن لم يكن لديه هذا الاستعداد فلن يجلس.
كلّ عمل نقوم به في هذه الدنيا فإنّه يبدّلنا ويغيّرنا إلى واحد من ظهورات الله، وهذا التغيير والتبدّل إمّا أن يوصل الإنسان إلى نقطة الكمال ويجعله من زمرة المقرّبين، أو أنّه يجعلنا في زمرة الأشقياء ويختم علينا بخاتم البطلان، أو يجعلنا في الوسط، فبين الشقاوة والسعادة الأبديّتين المطلقتين حدّ فاصل قد يقع فيه الإنسان. فما دام الأمر كذلك وقد أنعم الله تعالى على الإنسان بهذه النعم، وبالالتفات إلى الأدوات والوسائل والوسائط التي جعلها الله باختيار الإنسان، ويمكنه بها أن يسير في طريق الهداية، فإذا قصّر فلا يلومنّ إلا نفسه.
ما أعظمُ نعم الله علينا؟!
لقد أنعم الله علينا وامتنّ علينا حين أرسل إلينا نبيًّا كهذا: {لَقَدۡ مَنَّ ٱللَهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولًا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ}۱ هل تعلمون أنّا لو كنّا في زمان الأمم السابقة لما أمكننا أن نصل إلى كمالات أمّة النبيّ؟ هل فكّرنا يومًا ما بهذا الأمر؟ أليست هذه أعظم منّة امتنّ بها الله علينا حين خلقنا في زمان صادفنا فيه شريعة النبيّ الأكرم ودخلنا في أمته لا في أمم الأنبياء السابقين؟! لو دار الزمان بنحو آخر وكانت الظروف بنحو آخر وكنّا في الأمم السابقة لكنّا حرمنا حتمًا من هذه السعادة الكبرى. فإذن أعظم منّة امتنّ بها الله علينا هي الوجود المبارك للنبيّ الأكرم، فهذه منّة.
- سورة آل عمران (٣) الآیة ١٦٤.
