
تأثير همّة الإنسان في السير والسلوك إلى الله
عيد الفطر ۱٤۱٩ هـ
ما هي خصوصيّة الدعوة الإلهيّة العامّة في شهر رمضان التي تخالف بها سائر دعوات عالم المادّة؟ ولماذا يدعى في هذه الدعوة إلى الجوع خلافًا لسائر الدعوات؟ لماذا هناك إصرار في هذه الدعوة على العطش والتعب وكفّ النفس عن الذنوب؟ ولماذا من يكفّ نفسه أكثر ويراعي أكثر فهو المقبول أكثر عند صاحب الدار؟ يطرح سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني هذه الأسئلة ويجيب عنها بتفسيره لآية أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون، وآية إنّ الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا مبيّنًا ما يتطلّبه الطريق إلى الله من الهمّة العالية المتناسبة مع هذا الهدف العظيم، وأثر الصيام والحجّ في تحقيق ذلك.
تأثير همّة الإنسان في السير والسلوك إلى الله
3دعوة الله العامّة للناس في شهر رمضان
{بِسۡمِ ٱللَهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ، الٓمٓ ، أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ}.۱
لقد مضى شهر من الصيام ومن الدعوة الإلهيّة العامّة، تلك الدعوة التي كانت لجميع الناس وجميع الطبقات ولم يكن لها اختصاص بطبقة دون طبقة، وهذه الدعوة تختلف عن سائر الدعوات. في هذه الدعوة الضيافة هي الجوع والعطش وكفّ النفس.
في الدعوات التي تجري عادة فإنّ المضياف الأكثر ضيافة والذي هو صاحب الدار هو الذي يهيّئ لضيوفه المزيد من الوسائل، فهذا هو المقبول فتقولون: هذه الضيافة اقترنت بالمزيد من المأكولات والمشروبات.
هذه الدعوة الإلهيّة العامّة ما هي خصوصيّتها التي تخالف بها سائر دعوات عالم المادّة؟ ولماذا يدعى في هذه الدعوة خلافًا لسائر الدعوات إلى الجوع؟ لماذا هناك إصرار في هذه الدعوة على العطش والتعب وكفّ النفس عن الذنوب؟ ولماذا في هذه الدعوة من يكفّ نفسه أكثر ويراعي أكثر فهو المقبول أكثر عند صاحب الدار؟ فما هي خصوصيّة هذه الضيافة؟ أفهل الله بخيل حتّى تكون ضيافة الله هذه مخالفة للضيافات المتعارفة؟!
دور الامتحان في تكامل الإنسان ومعنى آية أحسب الناس أن يتركوا...
تقول الآية الشريفة: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ}
أيحسب الناس أنّهم بمجرّد الشهادتين وقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدًا رسول الله انتهى الأمر وليس هناك امتحان في البين؟! ألن نجعلهم في بوتقة الامتحان؟! هكذا يظنّون؟!
الأمر الذي ينبغي الالتفات إليه هنا هو أنّ نظام عالم التكوين مطابق تمامًا لعالم التشريع. فقد جعل الله في عالم التكوين لكلّ وجود استعدادًا خاصًّا، فللطفل الرضيع استعداده، وللطفل ابن العاشرة استعداده وهكذا الآخرون. كلّ إنسان حسبما أعطاه الله من استعداد، هذه الاستعدادات تعطى للمرور في عالم المادّة، ولو لم يعطها لما عوتب أحد، فمن كان جائعًا لا يطلب الدعاء من الآخرين لرفع جوعه؛ لأنّ الحركة نحو العلم ورفع الجوع وتأمين المعاش حركة تكوينيّة وطبعيّة، فإذا ما أحس إنسان بحاجة فإنّه يقوم طلبًا للمعاش، ولو لم يشعر بالحاجة لما قام لطب المعاش. فهذا النظام نظام عالم التكوين.
- سورة العنكبوت (٢٩) الآیة ١ و ٢.
