
تأثير همّة الإنسان في السير والسلوك إلى الله
عيد الفطر ۱٤۱٩ هـ
ما هي خصوصيّة الدعوة الإلهيّة العامّة في شهر رمضان التي تخالف بها سائر دعوات عالم المادّة؟ ولماذا يدعى في هذه الدعوة إلى الجوع خلافًا لسائر الدعوات؟ لماذا هناك إصرار في هذه الدعوة على العطش والتعب وكفّ النفس عن الذنوب؟ ولماذا من يكفّ نفسه أكثر ويراعي أكثر فهو المقبول أكثر عند صاحب الدار؟ يطرح سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني هذه الأسئلة ويجيب عنها بتفسيره لآية أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون، وآية إنّ الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا مبيّنًا ما يتطلّبه الطريق إلى الله من الهمّة العالية المتناسبة مع هذا الهدف العظيم، وأثر الصيام والحجّ في تحقيق ذلك.
تأثير همّة الإنسان في السير والسلوك إلى الله
14«وأعوذ بك ممّا استعاذ منه عبادك المخلصون»۱
لدينا يا ربّ طلب آخر وهو أنّا نستعيذ بك ممّا استعاذ منه عبادك المخلصون، وهو أن لا تصرف نظرك عنهم، لم يستعيذوا بك من أن تدخلهم جهنّم وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «هَبنی صَبَرتُ عَلَی حَرِّ نارِك فَكیفَ أصبِرُ عن النَّظَرِ إلَی كرامَتِك».٢
إلهي لنفترض أنّي صبرت على حرّ نار جهنّمك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك؟! فقد وقعت نار جهنّم و... في نظر أمير المؤمنين عليه السلام موضعًا للسخرية وصارت الجنّة والنار و... للأطفال والصبيان، لذلك فهو لا يلتفت إليها. ما يستعيذ منه أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السلام هو أن لا يلتفت عنهم الله ثانية وجزءًا من مائة جزء من الثانية وطرفة عين، وأن لا يتخلّى عن ذلك المقدار من عنايته بهم. أمّا ما هي تلك العناية؟ نحن نقول عناية ونمشي، نحن نقول لطف ونمشي، نحن لا ندري ما هي! سأخبركم بهذا المقدار: لو أنّهم أعطوا الدنيا والآخرة لأمير المؤمنين فإنّه يستعيذ بالله من أن تسلب منه تلك العناية لثانية واحدة، فهل التفتّم ما هي؟! أي لو جعلوا الدنيا كلّها في إحدى يدي عليّ والآخرة بكلّ درجات الجنّة والملائكة المقرّبين وجميع النعم والمراتب التي جعلها الله في ذلك العالم في اليد الأخرى، فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «هَبنی صَبَرتُ عَلَی حَرِّ نارِك فَكیفَ أصبِرُ عن النَّظَرِ إلَی كرامَتِك».
أنا لا يمكنني أن أتخلّى لحظة واحدة عن ذلك النظر الذي لو خفّفناه ونزّلناه مئات آلاف المرّات لتلاطم الناس وحطّموا أرجلهم وأيديهم من أجله. طبعًا تلك النظرة في مرتبتها العليا يقول أمير المؤمنين أنا لا أريدها، ما أريده فقط هو أن لا تصرف نظرك عنّي! بأيّ إحساس يشعر في وجوده؟! هذا ما لا نعلمه نحن، ولكنّهم يعلّموننا أيضًا أن نفعل ذلك.
همّة المرحوم العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه
رحم الله المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، فما رأيناه منه هو الهمّة، لم يختر يومًا الأمر الأدنى إذا ما دار الأمر بين الأعلى والأدنى، لقد كان سعيه دائمًا إلى الأعلى، في كلّ عمل في كلّ تجاوز، في كلّ مسألة و... فكيف يمكن تصوّر ذلك؟!
- مصباح المتهجد، ج ٢، ص ٦٥٤.
- المصدر السابق، ص ٨٤٧، مقطع من دعاء کمیل الشريف.
