
طريق الله بسيط وسهل
أفاد (قدّس الله سّره) أنّ هناك طريقان؛ طريق مستقيم، وطريق غير مستقيم، والحدّ الفاصل بينهما ولاية محمّد وآل محمّد. وطريق الولاية هذا هو طريق وضع كلّ شيء في منصبه ومقامه الواقعيّ، وإعطاء كلّ شيء حقّه المطابق للواقع. وبالتالي فالطريق إلى الله طريق سهل ويسير، ولكن نحن مَن نعقّد المسائل نتيجة ميولنا الخاصّة، والحال أن كلّ ما هو مطلوب منك أن تسلّم الأمر لأهله، فدع نفسك وتعال، وإلّا لحاد الأمر عن مقامه فكان مصيره الانحراف ومسلكه غير مستقيم وعاقبته وخيمة، والعكس بالعكس. وقد عرض سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ في بيان ذلك مجموعة مِنَ الأمثلة الواقعيّة: كالاستعانة بالجنّ وحساب الرمل والمرتاضين، والتسليم للأولياء، وقصّة رجل مع النبيّ سليمان (على نبيّنا وآله وعليه السلام)، وقصّة أحد العلماء مع السيّد هاشم الحدّاد (قدّس الله نفسه العليّة)، وغصب الخلافة، وحادثة الغدير، والحركة الدستوريّة في إيران، وكتاب المثنويّ ومولانا جلال الدين الروميّ. ثمّ ختم بباقة توصيات تتعلّق بشهر ذي الحجّة الحرام، والّتي لم تخل مِن ارتباط بمضمون المحاضرة.
طريق الله بسيط وسهل
3فالمتواجدون في هذا المكان يستطيعون رؤية الأشياء حولهم على ما هي عليه، ما لم يكن أحدهم يعاني مِن مشكلة بصريّة، فلا يختلف اثنان في معرفة عدد المتواجدين [هنا] ومعرفة شخصيّاتهم وألوانهم، سواء كان الرائي مسلمًا أو كافرًا، فلا يختلف الأمر في هذا المجال شيئًا. وكذلك الحال بالنسبة إلى رؤية بعض الصور البرزخيّة والمثاليّة؛ فكلّ مِنَ الصغير والكبير والمؤمن والكافر، يرى أحلامًا في منامه، فلا يختلفون عن بعضهم في شيء مِن هذه الناحية، ولعلّ بعض تلك المنامات تتعلّق بأمورٍ واقعيّةٍ ستحصل في المستقبل.
فالرؤيا الّتي رآها فرعون مصر في منامه عندما قال {إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ}۱، كان قد رآها إنسان كافر. فهذا نوع مِنَ الارتباط البرزخيّ والصوريّ، وقد كانت رؤياه صادقةً. فهذا ممكن الحصول، ولكنّ المهمّ هنا هو معرفة سلسلة العِلل المتعلّقة بهذا المنام، وهذا ما لا يتمكّن فرعون مِن معرفته وإدراكه. أمّا ذلك الّذي له إحاطة بالحيثيّة العِليّة، ويعلم كيف ترتّبت سلسلة مراتب عالَم الغيب حتّى وصل الأمر إلى هذه المرتبة، فهو إنّما يطّلع على إرادة ومشيئة الله في هذه الحالة [وهذا غير متاح لأيّ كان] .. قد نعود للحديث عن هذا الموضوع ثانيةً في هذا المجلس.
فالرياضة مِنَ النوع الثاني هي رياضة غير شرعيّة، بالرغم مِن أنّ الإنسان يستطيع بواسطتها أن يطّلع على بعض الأمور، غير أنّ المهمّ هنا ليس هو الاطّلاع على هذا الأمر أو ذاك، بل المهمّ هو أنّ الحقيقة الّتي تظهر للنفس وتتجلّى لها وتُهيمن عليها، هي عبارة عن حالة يرى الإنسانُ نفسه فيها ويرى أنّ لنفسِه دخلًا وتأثيراً في حصول هذه الرؤيا. وهذا أمر خطير، فيجب التركيز على هذا الجانب وليس على الرؤيا بذاتها.
الطريق الأسطوريّ والطريق الحقيقيّ
يُشاهَد اليوم العديد مِنَ الناس ممّن سلكوا طُرقًا متعدّدة ولم يُدركوا حقيقة الأمر، كانوا قد سلكوا طُرقًا أسطوريّة. فهُم، مِن أجل الوصول إلى الهدف، لم يبحثوا عن المسير الحقّ ومسلك التوحيد والعرفان، ولم يبحثوا عن المؤثّر الحقيقيّ ومُسبّب الأسباب، ولم يدرسوا الأمر مِن أُفق عالٍ. وهم، مع كلّ هذا، يدّعون أنّهم مؤمنون بالله ومسلمون وأنّهم يتّبعون منهج التوحيد، في الوقت الّذي لم يكن باطنهم مؤمن بهذه الأمور، بل كان باطنه يسعى وراء المسبّبات والآثار ويخوض في المسائل الخارقة للعادة، وينظّم الأمور الحياتيّة على أساس حسابات الرمل وتحضير الجنّ وما شاكل ذلك. فبدلًا مِن تفويضِ الأمر إلى الله، وطلبِ المدد منه، وسلوكِ طريق الصدق في أعمالهم، والتعاملِ بعدلٍ مع الآخرين، تراهم – ومِن أجل ترميم النقص الّذي يشعرون به وتأمين احتياجاتهم – يسلكون ذاك الطريق، فيستعينون بالجنّ في اتخاذ قراراتهم، وهم يجهلون أن الجنّ يعجز عن إدراك وقائع الأمور وعن معرفة المستقبل.
- سورة يوسف (۱٢)، جزء مِنَ الآية ٤٣.
