
فلسفة البلاء في التربية الإلهيّة
كيف تبدأ التعلّقات في حياة الإنسان؟ وما هي أنواعها؟ وكيف يتخلّص منها؟ وهل يمكن ذلك دون بلاء؟ وكيف يتعامل الإنسان مع البلاء وكيف يهون عليه؟ ولماذا يبتلى أنبياء الله وأولياؤه؟ وهل يشعرون بالتعلّق والحزن عند الفراق؟ وكيف ندرك ما يجري في قلوبهم؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني في هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة ضمن شرحه فقرة وَإذا فَوَضَ العبد تَدبيرَ نفسه على مدبره هانَ عَلَيهِ مَصائِبُ الدُنيا. إضافة إلى حديثه في الختام عن آداب شهر رمضان.
فلسفة البلاء في التربية الإلهيّة
9ومن جهة أخرى فنحن نعلم قطعًا أنّ عالم التكوين وعالم الخلق مليئ بالحوادث والقضايا والأمور التي تحدث أحيانًا للإنسان ملائمة كانت أو غير ملائمة. فلا شكّ في ذلك، وهذا أمر عامّ للجميع، فللجميع مرض وصحّة، وللجميع ضيق، وللجميع يسر، فهذه أمور للجميع، والمهمّ في هذه الدنيا هو المرور، لا التوقّف ولا التأمّل، على الإنسان أن يتجاوز عن هذه الدنيا، ويتمكّن من استعمال جميع الإمكانات التي في هذه الدنيا والتي هي عبارة عن العمر وعبارة عن سائر الإمكانات التي جعلها الله له، يتمكّن من استعمالها لأجل ذاك العالم، ويتمكّن من إصلاح نفسه لأجل ذاك العالم. فلا شكّ في هذا الأمر.
بما أنّ الأمر هكذا، فما يمكن أن يؤدّي إلى أن يتردّد الإنسان ويتوقّف هو الأحداث المؤلمة التي تحدث للإنسان وتشغل فكره كالأمراض والمشاكل والبلايا وقطع العلائق والموت وزوال المراكز وخسارة الشؤون الاجتماعيّة وأمثال ذلك. فهذه كلّها أمور تواجه الإنسان، فالذين يخسرون واحدًا من مراكزهم الاجتماعيّة يبتلون بأمراض نفسيّة وعقليّة لأنّهم خسروا مكاناتهم، فالذين يخسرون وظيفة أو عملاً يجلسون كالثكالى يظنّون أنّ الدنيا قد بلغت نهايتها، ثمّ بعد يومين ينطلقون إلى العمل.
ذهبت ذات يوم لزيارة أحد الأرحام في منزله وكان هناك العديد من العلماء، وكان منهم أحد المعروفين ببيان الأمور الأخلاقيّة والاجتماعيّة للناس، وكان من المشهورين. كنّا جالسين في ذلك المنزل وكان أحد الحاضرين منزعجًا جدًّا، فكان الحاضرون يتكلّمون معه وكان ذلك الرجل المشهور يكلّمه فلم يكن لديه قدرة على الجواب، فكانوا يضحكون له فلا تكاد الضحكة تخرج من شفتيه، فقال له أحدهم: ماذا حصل؟ هل غرقت سفينتك حتّى صرت هكذا؟! في البداية لم يقل شيئًا ولكن بعد ذلك قال: لقد شغل بالي كثيرًا، شغل بالي بهذا الأمر، فابني يعمل في إحدى الوزارات وقد غُيّر الوزير وجاء وزير آخر، وأنا قلق لخسارة ابني لعمله، فإذا خسر عمله ماذا سنصنع؟ واقعًا انظروا قليلاً إلى حال هذا الرجل، فهذا الرجل الذي كان يتكلّم للناس لسنوات عن التوكّل وعن التفويض وأمثال ذلك... انظروا كم نحن بعيدون عن الأمور والقضايا حتّى صرنا ننظر بهذه الطريقة، ثمّ قلت له: في النهاية إذا ترك عمله لن ينام في الشارع، ففي النهاية سيأتي إلى منزله فلماذا أنت منزعج؟!
