
العزّة الكاذبة والعزّة الحقيقيّة
تحدّثت هذه المحاضرة عن موضوعين: الأوّل: ما الفرق بين العزّة الكاذبة الموهومة والعزّة الحقيقيّة؟ وما هي أسباب كلّ منهما؟ وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على العزّة الحقيقيّة المودعة في نفسه ويمنع تحوّلها إلى عزّة كاذبة؟ الثاني: ما هي حقيقة المصائب من وجهة نظر علم النفس الإسلاميّ؟ وكيف ينبغي أن تواجه؟ وقد تناولت الموضوع الأوّل من خلال تفسير آية وللّه العزة ولرسوله والمؤمنين مع بيان مواقف العزّة في سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والأعاظم من أولياء الله والعلماء كالعلامة الطهراني والسيّد البروجردي رضوان الله عليهما.
العزّة الكاذبة والعزّة الحقيقيّة
9في الجلسة السابقة قلت: إنّ أهمّ آفات بناء النفس على أساس الرغبات الخاصّة وبدون الالتفات إلى الملاكات ماذا كان؟ إن كان الرفقاء يذكرون فإنّي أسألهم! لقد ذكرت عدّة مسائل حينها منها الأثر الاجتماعيّ السيّئ الذي يسبّبه هؤلاء الناس عنه، والآثار السيّئة التي يسبّبها هذا المنهج التربويّ في المجتمع. أي الآثار التي يمكن أن يسبّبها الإنسان بواسطة الأعمال التي هي من عنده لأجل العبور عن هذه المرتبة إذا ما اعتمدنا على أنفسنا فقط. ولكن يمكن للإنسان أن يحقّق هذا الأمر في وجوده شيئًا فشيئًا بطريقة معتدلة، وقد بيّنت بعض الأمثلة لذلك، فهل تذكرون المثال؟ فقد كان من دأب المرحوم العلاّمة أن يأمر أحيانًا بعض المعتدّين بأنفسهم برفع الأذان عند المغرب أمام مائة من الحاضرين أو مائتين. فهذا لم يؤذّن حتّى لأسرته، فيقول له: قم وأذّن. فكان الأمر صعبًا جدًّا عليه، ولكن كان عليه أن يمتثل. وفي المرّة الثانية كان الأمر أسهل، وفي الثالثة أسهل وبذلك يتجاوز عن هذه العقبة. مشكلته كانت في المرّة الأولى، وليس هناك أيّ أمر مخالف للشرع، وليس هناك أيّ أمر ذي بال. فرفع الأذان خير فعل وخير عبادة، ومن الشعائر الدينيّة، والأعاظم والأئمّة أنفسهم كانوا يؤذّنون. كانوا يؤذّنون عند الصبح، ويؤذّنون عند الظهر، والمرحوم العلاّمة نفسه كان حتّى أواخر عمره يؤذّن عند طلوع الفجر، وجميع أهل الحيّ والجيران لا يزالون حتّى الآن يذكرون صوت أذانه. فهذه واحدة من الأمور التي ينبغي أن يلتفت إليها.
كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز عن شخصيّته الكاذبة؟
أمّا أنّه كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز هذا الأمر؟
فعليه أن يكون مراقبًا جدًّا ومهتمًّا، فهذه المسألة تحدث بالتدريج لا دفعة واحدة. ففي البداية تكون لدى الإنسان تلك العزّة الإلهيّة، فإذا أراد أن يواجه أمورًا كهذه بواسطة تلك العزّة الإلهيّة فإنّه يشعر في نفسه بالانكسار، ألم يحدث لنا مثل ذلك؟ الشعور بالانكسار، الآن عليك أن تلتفت إلى هذا، والآن عليك أن تقوم بهذا العمل، والآن كذا. وهذا الإحساس من الانكسار هو لأنّ تلك العزّة الإلهيّة لا تزال في نفوسنا، إذا ما حافظنا على هذه العزّة الإلهيّة هكذا ورتّبنا عليها الآثار وحافظنا عليها ولم نتجاوز عنها ولم نغضّ الطرف فإنّ هذه العزّة الإلهيّة ستقوى وتكبر شيئًا فشيئًا إلى أن تصل إلى مرتبة من الثبات. إذا قلنا نقوم الآن بهذا الأمر لآخر مرّة ولا نخطئ بعده، الآن نيسّر أمورنا وفي المرّات اللاحقة نلتفت، لنتخلّص الآن من هذه المشكلة ولنرض الآن بهذا الحلّ لما نحن فيه، وليتحقّق مطلبنا هذه المرّة، فهذه النفس بخسارتها لتلك العزّة شيئًا فشيئًا تصل إلى ذلّة شخصيّة شيطانيّة. لماذا شيئًا فشيئًا؟
