
العزّة الكاذبة والعزّة الحقيقيّة
تحدّثت هذه المحاضرة عن موضوعين: الأوّل: ما الفرق بين العزّة الكاذبة الموهومة والعزّة الحقيقيّة؟ وما هي أسباب كلّ منهما؟ وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على العزّة الحقيقيّة المودعة في نفسه ويمنع تحوّلها إلى عزّة كاذبة؟ الثاني: ما هي حقيقة المصائب من وجهة نظر علم النفس الإسلاميّ؟ وكيف ينبغي أن تواجه؟ وقد تناولت الموضوع الأوّل من خلال تفسير آية وللّه العزة ولرسوله والمؤمنين مع بيان مواقف العزّة في سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والأعاظم من أولياء الله والعلماء كالعلامة الطهراني والسيّد البروجردي رضوان الله عليهما.
العزّة الكاذبة والعزّة الحقيقيّة
4العزّة الإلهيّة موجودة عند كلّ إنسان ولكن...
فانظروا ما هذا؟ هذا هو ما أعطاه الله. ما أعطاه الله لنا ولكم وللجميع والجميع غافلون عنه هو هذه الحالة، حالة التعلّق بالله. فنفس الإنسان عزيزة إلى حدّ... ومنيعة إلى حدّ... ورفيعة إلى حدّ... فالأمر لا يختصّ به رضوان الله عليه، فنحن أيضًا هكذا والأمر لا يختصّ به، غاية الأمر أنّنا نحن غفلنا عن هذا الأمر، نسيناه، نحن محوناه من الذاكرة، ونسينا مكانتنا، واستبدلنا ذلك الإكسير الذي جعله الله في وجودنا وذلك الدرّ النادر، وذلك الجوهر الفريد بالخزف والخرز، أخذنا الخزف والخرز وجعلناهما في جيبنا بدلاً منه! وإلا فهو موجود عند الجميع. فهو إنسان، ونحن أيضًا أناس فما الفرق؟! ففي النهاية هذا الجانب هو جانب الإيمان: {وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ}۱ فالعزّة لله ومختصّة به وليس هناك عزيز في هذه الدنيا، ليس هناك سلطان في هذه الدنيا، ليس هناك حاكم في هذه الدنيا، ليس هناك آمر في هذه الدنيا، ليس هناك متولّ في الدنيا، فالعزّة وحيثيّة الشأن عند الإنسان مختصّة بالله.
لذلك فإنّا نشاهد في آيات القرآن الكريم {هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}٢ فالعزير يطلق على من يغلق طريق نفوذ الأغيار، لا يسمح لأحد أن يتدخّل في حريمه الخاص، وأن ينفذ إلى دائرته وأن يقرّر بدلاً عنه وأن يعيّن له الطريق والمسار، وأن يملي عليه الأمور، وأن يحدّد له المسير وعلاماته، فهذا يدعى عزيزًا. العزيز هو الذي يوجد حول نفسه حريمًا ويغلق الباب أمام نفوذ الأجانب والمنحرفين والمخالفين إلى قلبه الذي هو حرم الله، فهذا هو الذي يسمّى عزيزًا.
هذه العزّة مختصّة بالله، وهي موجودة في كلّ مكان فيه أثر للّه، وكلّ مكان لا يعرف الله فيه ففيه الذلّة، والحقارة والوضاعة والخفّة والشقاء والمسكنة والفقرة والخسارة، في أيّ مكان ومهما وصل الإنسان. ولهذا الأمر شواهد عديدة في حياة العلاّمة رضوان الله عليه، فقد ذكرت واحدًا منها فقط الآن.
رفض العلاّمة التوسّل إلى المسؤولين لإصدار جواز سفر للزيارة
وممّا أذكره عنه في ذلك أنّه كان يريد أن يسافر إلى كربلاء، فقد كانت قد مضت سنتان ولم يلتق بالسيّد الحدّاد فاشتاق إلى لقائه ـ وما أقوله لكم هو في سياق ذلك الأمر الذي ذكرته قبل شهر أو شهرين في هذا المجلس إن كان الرفقاء يذكرون، فهذه أمثلة، فقد كان الأصدقاء يقولون كيف نصل إلى هذا الأمر وكيف السبيل للوصول إلى ذلك؟ فقلت سأذكر بعض الأمثلة هنا لكي تتّضح المسألة أكثر شيئًا ما ـ فكان قد مضى ما يقارب السنتين، حتمًا أكثر من سنتين، ولم يكن قد رأى أستاذه، وشدّة تعلّقه بأستاذه أنا أعرفها، فعندما كان يذكر اسم أستاذه كانت عينه تفيض من الدمع، فقد كان الأمر عجيبًا جدًّا، وكان لونه يميل إلى الحمرة ويتلألأ، وكان إذا رأى صورته تصيبه حالة غريبة، فقد كانت له أوضاع عجيبة. وطبعًا كان هذا عندما كان في طهران، أمّا بعد أن تشرّف بالمجيء إلى مشهد، فقد تغيّر الأمر، فقد كانت هذه الأمور في مرحلة من أحواله وسيره.
- سورة المنافقون، الآية ۸ .
- سورة آلعمران، الآية ٦
