
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
قال سماحته فيما قال: لمّا كان الله قد جعل نظام الوجود بكلّ ما فيه وعليه، مبنيًّا على ظهور صفتي الجمال والجلال، فالدين الّذي يخلو مِن أيّهما هو دين ناقص. فهما جناحا الإنسان في حركته. وقال أنّ الأصل والمطلوب أوّلًا وبالذات هو الجمال، أمّا الجلال فهو لأجل الجمال، فكان محور الإسلام هو الجمال. ومِن موارد الجمال الّتي بيّنها: الزينة والفطرة والإنسانيّة وحسن الخلق والتجمُّل. ومِن موارد الجلال: التذكير والإنذار وقوانين حفظ الحدود الفرديّة والجماعيّة. وفي السياق نفسه تكلّم عن: فدك، وقصّة النبيّ مع أطفال الجوز، ومعجزة أمير المؤمنين في حرب صفّين وهدفه منها، وقصّة سلمان المحمديّ مع أهل المدائن، وكيفيّة الاستفادة مِن خصائص شهر رمضان.
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
15كان أبو ذرٍّ يسير مع أمير المؤمنين يومًا، فمرّوا بوادي النمل، فقال أبو ذرّ: ما أكثر هذا النمل، جلّ محصيه. فقال له أمير المؤمنين: لا تقل ذلك يا أبا ذرّ، بل قُل جلّ بارؤه، إذ السائر إلى جنبك الآن يعلم عدده ويعلم ذَكَره مِن أنثاه۱. وبالرغم مِن هذا يأتي مَن يقول: لم يكن لأمير المؤمنين معرفة إلّا بالعلوم المتداولة في تلك الأيّام، أمّا بالنسبة إلى العلوم الحديثة فليس له علم بها. إنّ هؤلاء الحمقى لا يعلمون مَن يكون الإمام وكيف هو علمه.
ألم يكن أمير المؤمنين هو القائل: أنا أعلم ذَكَر هذا النمل مِن أنثاه. ألم يكن يعلم كيف ستنتهي تلك الحرب، وكم يوم ستدوم، وما الّذي سيجري بعد ذلك؟! نعم إنّه كان يعلم كلّ شيء .. فمَن يريد أن يتكلّم، فعليه أن يتكلّم بمقدار ما لديه مِن علوم، وأن لا يضع نفسه مكان أمير المؤمنين .. نعم، كان أمير المؤمنين يعلم بجميع التفاصيل الّتي ستحصل؛ فهو يعلم المشقّات الّتي ستواجههم، والجراح، وعدد الأسهم الّتي سيرمونها، وكان يعلم أنّ أويس القرنيّ سيُقتل، وكذلك عمّار بن ياسر وعددًا مِن أصحاب النبيّ. وهو يعلم كم إمرأة ستُرمّل، وكم طفل سيصبح يتيمًا. نعم، إنّه كان على علم بجميع هذه التفاصيل، ومع كلّ هذا فهو يقول: إن اجتناب كل هذا، لا يسوّغ لي القيام بعمل واحد مخالف للمروءة في قتالي أعدائي.
وأيّ أعداء كانوا؟! كانوا لا يعرفون الله ولا رسوله، ولم يكن لهم دين، فلم يكن لمعاوية دين، ولم يكن يبالي بأيّ شيءٍ. وبالرغم مِن ذلك يقول أمير المؤمنين: لا يهمّني مَن يكون الطرف المقابل، [سنيًّا] كان أم شيعيًّا أم غير ذلك، فأنا لا أستطيع أن أقوم بعمل يتنافى مع الرجولة والمروءة والشهامة، وبعمل يقبح صدوره عن رجل، حتّى لو لم يكن ذلك العمل محرّمًا. فهو يقول: إنّ تلافي جميع ما سبق ذكره، لا يستحقّ أن أُقْدم على عملٍ كهذا.
إنَّ المعجزة هي موقف أمير المؤمنين هذا، لا قضيّة ردّ الشمس. وبعد كلّ هذا، ترانا لا نعرف مِنَ الإمام سوى لفظ (الإمام) .. إنّ الإمام لا يصل إلى مقام الإمامة، إلّا بعد اللّتيّا والّتي، فهو لا يصبح إمامًا بمطالعة صفحيتن مِن كتاب أو قراءة ثلاث مقالات، حتّى يأتي ذلك القائل ليقول: لا يوجد أيّ تفاوتٍ بين علمِي وعلم الإمام!! كلّا، ليس الأمر كذلك، فكلّ شيء مبنيّ على حساب دقيق.
- مدينة المعاجز، السيّد هاشم البحرانيّ، ج٢، ص۱٣٢. (م)
