
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
قال سماحته فيما قال: لمّا كان الله قد جعل نظام الوجود بكلّ ما فيه وعليه، مبنيًّا على ظهور صفتي الجمال والجلال، فالدين الّذي يخلو مِن أيّهما هو دين ناقص. فهما جناحا الإنسان في حركته. وقال أنّ الأصل والمطلوب أوّلًا وبالذات هو الجمال، أمّا الجلال فهو لأجل الجمال، فكان محور الإسلام هو الجمال. ومِن موارد الجمال الّتي بيّنها: الزينة والفطرة والإنسانيّة وحسن الخلق والتجمُّل. ومِن موارد الجلال: التذكير والإنذار وقوانين حفظ الحدود الفرديّة والجماعيّة. وفي السياق نفسه تكلّم عن: فدك، وقصّة النبيّ مع أطفال الجوز، ومعجزة أمير المؤمنين في حرب صفّين وهدفه منها، وقصّة سلمان المحمديّ مع أهل المدائن، وكيفيّة الاستفادة مِن خصائص شهر رمضان.
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
4غير أنّنا نرى خلاف ذلك في بعض البلدان، بل وصل بهم الأمر في عدم رعاية الموازين الأخلاقيّة إلى الحدّ الّذي سنّوا فيه قوانين تسمح للناس أن يتنصّلوا مِنَ القِيم الأخلاقيّة، وأن يتوغّلوا في المشتهيات بلا حدود، وإنَّه لأمر عجيب حقًّا!
كنتُ قد تحدّثت عن هذا الموضوع سابقًا، وقلتُ لكم حينها أن لا نعجب مِن أفعال أولئك الناس، فهم بحكم الحيوانات، ولكنّنا نعجب ممّن سنّ تلك القوانين الّتي تسمح للآخرين بالقيام بتلك الأعمال، فهذا أمر مُضحك حقًّا، وهو باعث على الأسف الشديد على الحالة الفكريّة الّتي وصل إليها هؤلاء الّذين يرسمون للعالَم مصيره.
نعم، لا بدّ مِن مراعاة كيفيّة الظهور بين الناس، فيجب أن يكون بالشكل الّذي لا يبعث على نفور الناس واشمئزازهم منه وابتعادهم عنه عندما يتكلّم معهم، وتأذّيهم منه عند جلوسه إلى جانبهم، بل يجب أن يظهر بمظهر يجعل الآخرين ينجذبون إليه ويحبّونه ويودّون التقرّب منه. أترون كيف هي المباني الإسلاميّة .. فإنّ عزمتَ على الخروج مِنَ المنزل، فعليك أن تقوم بتمشيط شعرك، فقد كان النبيّ يمشّط شعر رأسه ولحيته وينظر في المرآة قبل خروجه مِنَ المنزل. نعم هكذا كان رسول الله، وهو صاحب تلك المقامات. فليس صحيح أنّ على سالك الطريق أن يترك مراعاة جميع هذه الأمور الظاهريّة، بل على العكس مِن ذلك، لا بدّ له مِن رعايتها أكثر مِنَ الأخرين.
لم أرَ والدي يخرج مِنَ البيت دون أن يمشّط لحيته ويرتّب لباسه ويتعطّر وينظر إلى نفسه في المرآة، هذا في الوقت الّذي لا نهتمّ فيه كثيرًا بهذه الأمور. ينقل الجميع أنَّ النبيّ كان ينظر إلى نفسه في المرآة قبل خروجه مِن بيته، وكان يتعطّر ويمشّط شعره ويتفحّص لباسه مِنَ الأوساخ. فهل يتنافى هذا التصرّف مع سلوك طريق الله والتقرّب إليه، ومع الإعراض عن الدنيا؟ فهل الاهتمام بالمظهر الخارجيّ نوع مِنَ الإقبال على الدنيا؟ كلّا، لا يعتبر هذا الأمر إقبالًا على الدنيا أبدًا .. لماذا؟ لأنّ الأصل الأوليّ والأساس، الّذي تُبنى عليه العبادات ومسائل الإنسان الشخصيّة وعلاقاته مع الآخرين، هو صفتي الجمال والجلال الإلهيّين.
