
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
قال سماحته فيما قال: لمّا كان الله قد جعل نظام الوجود بكلّ ما فيه وعليه، مبنيًّا على ظهور صفتي الجمال والجلال، فالدين الّذي يخلو مِن أيّهما هو دين ناقص. فهما جناحا الإنسان في حركته. وقال أنّ الأصل والمطلوب أوّلًا وبالذات هو الجمال، أمّا الجلال فهو لأجل الجمال، فكان محور الإسلام هو الجمال. ومِن موارد الجمال الّتي بيّنها: الزينة والفطرة والإنسانيّة وحسن الخلق والتجمُّل. ومِن موارد الجلال: التذكير والإنذار وقوانين حفظ الحدود الفرديّة والجماعيّة. وفي السياق نفسه تكلّم عن: فدك، وقصّة النبيّ مع أطفال الجوز، ومعجزة أمير المؤمنين في حرب صفّين وهدفه منها، وقصّة سلمان المحمديّ مع أهل المدائن، وكيفيّة الاستفادة مِن خصائص شهر رمضان.
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
26ومع أيّام صيامه في شهر رجب وشعبان ومواظبته على المراقبة والتوجّه، عليه أن يزيد مِن مقدار المراقبة دقةً وإحكامًا قبل الورود في شهر رمضان. وعليه [كما قلنا] أن يبدأ الصيام قبل أيّامٍ مِن حلول شهر رمضان، فيصلها بشهر رمضان.
وقد جاء في الروايات أنّ مَن حُرِم الشفاعة والرحمة والرضوان الإلهيّ في هذا الشهر، فليس أمامه فرصة إلّا وقفة عرفة، لتعود وتشمله الرحمة الإلهيّة فيها. فهذا يعني أنّ مسألة الرحمة الإلهيّة النازلة في شهر رمضان مِنَ الأهميّة بحيث لا يمكن تعويضها بشيء آخر. ما الّذي يعكسه كلّ هذا؟ إنّ هذا يعكس مقدار لطف الله بنا.
أيُعقل أن يكون الله قد أوجب علينا الصوم لحاجته له!! ما هي حاجة الله خالق السماوات والأرض إلى صيامنا وإلى ما نتحمّله مِن جوعِ عدّةِ ساعاتٍ!! ثمّ أيّ جوع هذا الّذي [يُحكى عنه]، والحال أنّه ما إن تمرّ علينا ساعات معدودة حتّى نرى الليل قد حلّ؟! كلّا، إنّ الله ليس بحاجةٍ إلى صيامنا وجوعنا، غير أنّه يريد أن تشملنا رحمته ولو بالإجبار، لذا نراه يوجب علينا صيام شهر رمضان ولم يجعله مستحبًّا.
لو كان [الله قد جعل صوم شهر رمضان] مستحبًّا، فكم رجل سيصوم حينئذٍ؟ فلنفرض الآن أنّ إمام الزمان قد جعله مستحبًّا – غير أنّ إمام الزمان إمامٌ فلا يمكن أن يفعل ذلك أبدًا، أمّا نحن فمِنّا مَن يقوم بذلك فتراه يحرّم الحلال ويحلّل الحرام – فإن قامت الشريعة برفع الوجوب وتحويله إلى عملٍ مستحبٍّ، أتعلمون أيّ نوع مِنَ الاحتفال سيقيمه الناس! نعم، إنّهم سيقولون عندها: ها قد ارتحنا منه! أمّا بالنسبة إلى أهل السّر، والّذين علموا عن شهر رمضان شيئًا، لن يتفاوت الأمر بالنسبة إليهم أبدًا، بل تراهم يقولون: إلهي، حتّى وإن لم توجبه علينا ولم تجعله حتّى مستحبًّا، فإنّنا سنصومه.
لماذا تراهم يقولون ذلك؟ لأنّهم قد علِموا أيّة آثار ستترتّب على صيام هذا الشهر، فهم يعلمون السّر في صيامه، ويعلمون ما يخفى وراء الستار. نعم، إنّهم يعلمون أنّ ما يجنونه مِن صيامه يستحقّ أن يُصام لأجله ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا، إلّا أنّ الله أوجب على عباده صيام شهرٍ واحدٍ فقط، وذلك حبًّا منه لعباده، فهو يقول: أتعلمون كم أحبّكم، وكم أحبّ أن تتربّوا وتتزكّوا وتتكامل نفوسكم؟ ففيما أنتم منشغولون أيّها المساكين، إنّني أريدكم أن تقتربوا خطوةً واحدةً مِنّي، ومِن أجل ذلك لم أجد سبيلًا سوى أن أفرض عليكم صيام شهرٍ واحدٍ، وإلّا [فالأمر يستحقّ] أن أفرض عليكم صيام شهر شعبان أيضًا، ولكن ما الّذي أستطيع فعله، فعبادي لن يتحمّلوا ذلك وسيعترضون قائلين: أعلينا أن نصوم شهرين متواليين؟! بل لو كان هنالك مجال لأوجبت عليكم صيام أشهر رجب وشعبان ورمضان.
