
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
قال سماحته فيما قال: لمّا كان الله قد جعل نظام الوجود بكلّ ما فيه وعليه، مبنيًّا على ظهور صفتي الجمال والجلال، فالدين الّذي يخلو مِن أيّهما هو دين ناقص. فهما جناحا الإنسان في حركته. وقال أنّ الأصل والمطلوب أوّلًا وبالذات هو الجمال، أمّا الجلال فهو لأجل الجمال، فكان محور الإسلام هو الجمال. ومِن موارد الجمال الّتي بيّنها: الزينة والفطرة والإنسانيّة وحسن الخلق والتجمُّل. ومِن موارد الجلال: التذكير والإنذار وقوانين حفظ الحدود الفرديّة والجماعيّة. وفي السياق نفسه تكلّم عن: فدك، وقصّة النبيّ مع أطفال الجوز، ومعجزة أمير المؤمنين في حرب صفّين وهدفه منها، وقصّة سلمان المحمديّ مع أهل المدائن، وكيفيّة الاستفادة مِن خصائص شهر رمضان.
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
22فمَن يَرِد حَرم الله، عليه أن لا يلتفت إلى أيّ شيءٍ آخر، بل عليه أن يختلي بنفسه وينشغل بتأدية أعماله فقط، وعليه أن يعتزل الضجيج والصياح ويمتنع عن تجاذب أطراف الحديث، حيث يجلس الناس في عرفات يتبادلون الحديث ويمضون أوقاتهم بالأمور الباطلة والتقاط الصور.
كنَّا في عرفات في إحدى المرات، ولم يبدُر مِنَ عامّة الناس شيئ غريب حينها، وإذا بإمام الجماعة يطلب مِن أحدهم أن يصوّر الصلاة بالفيديو. [أقول:] هل تُعتبر وقفة هذا الرجل في عرفات وقفة حقًّا، فأيّة صلاة تلك وأيّ توجّه وحضور قلب هذا؟! فهل كانت وقفة الأئمّة في عرفات على هذا النحو؟! وهل كان حضورهم في مِنى بهذا الشكل؟! وهل كان رميهم للجمرات وطوافهم يجري على هذا المنوال أيضًا؟!
إنّ موضوع الحجّ موضوع عجيب حقًّا! فكيف يجب أن يتوجّه الإنسان إلى الله ابتداءً مِن وقت إحرامه .. وبالرغم مِن ذلك نرى أحدهم يقول للآخر: ما هي إلّا بضعة أيّام وتعود بعدها إلى أهلك وديارك.
وما يحصل في شهر رمضانٍ هو مِن هذا القبيل أيضًا، فنحن نرى الحالة الروحيّة الّتي يستقبل بها الناس شهر رمضان، فعندما يقترب الشهر نرى الناس يقولون: يا للهول! ها قد جاءنا شهر رمضان مرّة أخرى، فلا بدّ أن نصبر مدّة شهر حتّى ينقضي. أرأيتم ما يقوله الناس في الأيّام الأخيرة مِن شهر رمضان، أعني الأيّام الّتي تلي العشرين منه، إنَّهم يقولون [بابتهاج]: ها قد عاد القمر هلالًا، وها هو الشهر على وشك أن ينتهي!
أمّا أولياء الله فقد كانوا ينتظرون قدومه قَبل أسابيع مِن حلوله. إنّ المهتمّين بأنفسهم والّذين يحسبون لأعمارهم حسابًا، وهم مِن أهل السرّ، يعتبرون شهر رمضان مِنَّة إلهيّة ويعتبرونه فرصة للابتعاد عن الخوض في الأحاديث المختلفة والمسائل الاعتباريّة والمشتهيات النفسانيّة.
إنّ الأكثر كسبًا في هذا الشهر هو الأكثر مراقبةً لنفسه والأكثر توجّهًا إلى الله. فإن قلّلتم الكلام وأكثرتم مِنَ السكوت ستحصلون على أكثر ممّا سيحصل عليه غيركم. إنّ هذا الكلام لا يعني أن يمتنع الإنسان عن الكلام حتّى في المسائل الضروريّة، بل هو يعني ضرورة الامتناع عن فضول الكلام. سيكون لنا حديثٌ آخر عن موضوع السكوت، ولكن علينا أن نعرف هنا أنّ لكثرة الكلام تأثير ضارّ إن كان في الأمور العاديّة، لأنّ هذا الكلام سيُفقد الإنسان ما اكتسبه مِنَ المراقبة؛ فمَن يتكلّم لمدّة دقيقتين سيفقد شيئًا ممّا امتلك، ومَن يتكلّم لمدّة خمسة دقائق سيفقد أكثر، أمّا مَن يتكلّم لمدّة ساعة مِنَ الزمن فستكون خسارته أكبر. إنّ الحالات الّتي يحصل عليها الإنسان بواسطة الصلاة والعبادة والذِّكْر، يتمّ تثبيتها في النفس عن طريق السكوت، وهو الّذي يُفسح لها مكانًا في النفس، أمّا الإكثار مِنَ الكلام سيعمل على إتلاف ما حصل عليه في ليلته الماضية.
