
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
قال سماحته فيما قال: لمّا كان الله قد جعل نظام الوجود بكلّ ما فيه وعليه، مبنيًّا على ظهور صفتي الجمال والجلال، فالدين الّذي يخلو مِن أيّهما هو دين ناقص. فهما جناحا الإنسان في حركته. وقال أنّ الأصل والمطلوب أوّلًا وبالذات هو الجمال، أمّا الجلال فهو لأجل الجمال، فكان محور الإسلام هو الجمال. ومِن موارد الجمال الّتي بيّنها: الزينة والفطرة والإنسانيّة وحسن الخلق والتجمُّل. ومِن موارد الجلال: التذكير والإنذار وقوانين حفظ الحدود الفرديّة والجماعيّة. وفي السياق نفسه تكلّم عن: فدك، وقصّة النبيّ مع أطفال الجوز، ومعجزة أمير المؤمنين في حرب صفّين وهدفه منها، وقصّة سلمان المحمديّ مع أهل المدائن، وكيفيّة الاستفادة مِن خصائص شهر رمضان.
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
14إنّ هذا الأمر مهمّ للغاية، فيجب أن يكون المجتمع في حالة بحيث يعيش فيه الإنسان في راحة بال دون أن يتعرّض للاضطراب، وحينئذ لن يكون له همّ سوى التفكير في التكامل والرقيّ. وهذا ما كان أمير المؤمنين يريد أن يفعله، فقد كان يسعى ليتمكّن أفراد المجتمع مِن طيّ معارج الكمال، والوصول إلى الدرجات العليا مِنَ العِلم والمعرفة، وأن يغادر الشيطان المجتمع، ولا يبقى فيه حضور لغير الله. فهل هناك هدف أسمى وأرقى وأكثر قيمة مِن هذا الهدف، وهو الهدف الّذي يسعى لتحقيقه إمام معصوم كأمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فهل يمكن أن يُتصوّر هدف أسمى مِن هذا الهدف؟ أتلاحظون أهميّة الموضوع؟ فبينما كان أمير المؤمنين يسعى للنهوض بالمجتمع وسوقه في ذلك الاتّجاه، وإذا به يواجه ذلك الموقف في معركة صفّين، حين سيطر جيش معاوية على شريعة الفرات، فقام معاوية بعمل باطل وهو منْع الماء عن جيش أمير المؤمنين، ممّا دفع أمير المؤمنين إلى إرسال جيشٍ لإزاحة أهل الشام عن الشريعة.
لمّا قام جيش معاوية بفعلته تلك، لم يكن هناك أيّ إشكال بأن يُعامَلوا بالمثل، فتُغلق الشريعة بوجههم أيضًا، فقد كانوا هم البادئين بذلك، ولا بدّ أن يدفعوا ثمن ما ارتكبوه، بل [إنّ منعَهم مِنَ الماء] سيسرّع في هزيمتهم وفي تحقيق الهدف الّذي كان ينشده أمير المؤمنين. ولم يكن هدف أمير المؤمنين هو إبادة أهل الشام أو اغتنام أموالهم والاستفادة منها، بل كان هدفه هو تبديل ذلك المجتمع بمجتمعٍ إلهيٍّ. وبالرغم من هذا كلّه نرى أمير المؤمنين يقول: لا يستحقّ إنجاز جميع تلك الأهداف، أن يكون على حساب عمل مخالف للمروءة، وإن لم يكن حرامًا. يكاد لبّ الإنسان يطير عندما يسمع بمثل هذا، فيشعر المرء أنّه يرى معجزة تأريخيّة.
لا نستطيع أن نعدّ شقّ القمر معجزة، إذ يستطيع الإنسان أن يبلغ درجة مِنَ السموّ الروحيّ بحيث يشقّ القمر ويردّ الشمس. وقد قام أمير المؤمنين في حياته بردّ الشمس مرتين، وأنا لا أنظر إلى ذلك العمل على أنّه معجزة، بل تتمثّل المعجزة في تصرّف أمير المؤمنين في ذلك الموقف [في صفيّن]. نعم إنّ معجزة أمير المؤمنين تتمثّل في تحريكه جيشًا مِن تسعين ألف مقاتل، كان قد جمعهم مِنَ الكوفة والمدينة وأماكن أخرى، وهو يعلم ما الّذي سيؤول إليه مصير تلك الحرب، وليس ذلك فحسب، بل هو عالِم بكلّ ذرّة مِن ذرّات هذا العالَم.
