
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
قال سماحته فيما قال: لمّا كان الله قد جعل نظام الوجود بكلّ ما فيه وعليه، مبنيًّا على ظهور صفتي الجمال والجلال، فالدين الّذي يخلو مِن أيّهما هو دين ناقص. فهما جناحا الإنسان في حركته. وقال أنّ الأصل والمطلوب أوّلًا وبالذات هو الجمال، أمّا الجلال فهو لأجل الجمال، فكان محور الإسلام هو الجمال. ومِن موارد الجمال الّتي بيّنها: الزينة والفطرة والإنسانيّة وحسن الخلق والتجمُّل. ومِن موارد الجلال: التذكير والإنذار وقوانين حفظ الحدود الفرديّة والجماعيّة. وفي السياق نفسه تكلّم عن: فدك، وقصّة النبيّ مع أطفال الجوز، ومعجزة أمير المؤمنين في حرب صفّين وهدفه منها، وقصّة سلمان المحمديّ مع أهل المدائن، وكيفيّة الاستفادة مِن خصائص شهر رمضان.
الجمال والجلال الإلهيّين محورا نظام الوجود
12تأخّر النبيّ عن صلاة الظهر يومًا، فذهب الصحابة وراءه فرأوا الأطفال آخذين بثياب النبيّ يطلبون منه الجوز .. فقد كان النبيّ قد مرّ مِن نفس هذا الطريق في اليوم السابق، وكان يحمل في جيبه بعض الجوز فوزّعه عليهم، فأخبر الأطفال بعضهم البعض بالأمر، فاجتمع في اليوم التالي خمسون منهم – بعد أن كانوا خمسًا بالأمس – وأخذوا بثياب النبيّ يريدون منه جوزًا. فما الّذي سيفعله النبيّ في مثل هذه الحالة؟ فهل كان سيتركهم ويمضي وهو يقول لهم: لا بدّ لي مِنَ الذهاب إلى المسجد، فالمؤمنون – نعم أولئك المؤمنون – قد اصطفّوا للصلاة ينتظرون قدومي؟! إنّ النبيّ لا ينظر هنا إلى المسلمين المنتظرين في المسجد، بل ينظر الآن إلى حال الأطفال وكيف عليه مداراتهم.
معجزة أمير المؤمنين في حرب صفّين وهدفه منها
هل أمعن الأخوة النظر في ذلك الموضوع الدقيق الّذي طرحته عليهم في المجلس السابق، ألا وهو الحادثة الّتي حصلت في معركة صفّين؟ فقد قلت حينها: ما كان هدف أمير المؤمنين مِن قتاله معاوية، فهل كان هدفه استلام زمام الحكم في الشام؟! فلو عاد الأمر إلينا فسيتركّز تفكيرنا – طبعًا – على كيفيّة فتح هذا البلد أو ذاك، وعلى فتح آسيا ثمّ أفريقيا وأمريكا، فإن تمكنّا مِن ذلك سنتحرك نحو أوروبا لفتحها، ثمّ ننتقل منها إلى أماكن أخرى، حتّى إذا ما تمكنَّا مِنَ السيطرة على الكرة الأرضيّة، ننطلق إلى بقيّة الكواكب للسيطرة عليها .. هذا هو الوضع الّذي نحن عليه، ولكن ماذا عن أمير المؤمنين، فهل كان يهدف إلى فتح البلدان ليقول: ها قد استوليت عليها وأنجزت الوعد الّذي قطعته على نفسي، أرأيتم كيف أصررتُ على موقفي حتّى تمكّنت في النهاية مِن تنفيذه؟ أهكذا كان أمير المؤمنين، أم أنّه أراد إقامة حكومة العدل الإلهيّ في الشام، على غرار ما قام به في المدينة والكوفة – ما نقوله هنا هو على قدر معرفتنا وهو الحدّ الأدنى الظاهر مِنَ الأمر – وأراد الحدّ مِنَ الظلم والتجاوزات، وأراد تهيئة الأرضيّة الملائمة لتكامل جميع أفراد المجتمع الغنيّ منهم إلى أضعف وأفقر فرد فيهم. نعم، إنّه يريد أن يُهيّأ الأرضيّة لجميع أفراد المجتمع بشكل متساوٍ، ليصل بهم إلى الكمال في جميع المجالات الروحيّة منها والنفسيّة والاجتماعيّة. فهذا أقلّ ما يمكن أن يُقال في هذا المجال. وكذلك هَدَفَ الإمام إلى فرض الأمن وبَعْث روح النشاط في المجتمع، وهدف إلى القضاء على الفقر وتوفير الحياة المرفّهة والرغيدة لهم. نعم، كان يريد أن يستتبّ الأمن، ويسود الناس حالة الاطمئنان بدرجة تستطيع فيه الفتاة أن تسافر ليلًا مِن دون أن يعترض سبيلها أحدٌ، وبدرجة يترك فيها الناس بضائعهم في الشوارع دون أن يتجرّأ أحدٌ على لمسها.
