
أعلى مراتب التقوى ولوازمها
ما هي أعلى مراتب التقوى؟ وماذا ينتج عن الوصول إليها؟ وكيف يصل الإنسان إليها؟ وهل العلم وحده يكفي في ذلك أم لا بدّ من الولاية والطاعة للوليّ؟ وكيف يحافظ الإنسان على المراتب التي وصل إليها من التقوى؟ كيف ومتى نستعدّ للأشهر الثلاثة؟ تتحدّث هذه المحاضرة حول هذه الموضوعات وتجيب عن هذه الأسئلة في ختام الحديث عن فقرة فهذه أوّل درجة التقى... من حديث الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصري.
أعلى مراتب التقوى ولوازمها
5من مواقف الإمام الصادق عليه السلام
لقد جاء رجل من قبل المنصور الدوانيقي إلى الإمام الصادق عليه السلام في المدينة يحمل منه رسالة إلى الإمام، أن يا ابن رسول الله الجميع الآن مستعدّون ليقدّموا لك الخلافة، لأنّ الأمور صارت في نهايتها، فالحروب التي وقعت بين بني أميّة وبني مروان وبين بني العبّاس وصلت إلى نتيجتها، فتفضّل أنت واستلم هذه المسؤوليّة! فهؤلاء يعلمون جيّدًا، يعرفون الإمام الصادق جيّدًا، يعرفون أنّ الإمام الصادق هو الذي قال في تلك الحادثة التي جرت بين محمّد وإبراهيم ابني عبد الله المحض خارج المدينة والجلسة التي كانت لهم مع بني العبّاس ودعوا الإمام الصادق إليها، حيث كان محمّد وإبراهيم يتنازعان على الخلافة فقالوا فلتأخذها أنت، لأنّهم كانوا يعلمون أنّ الإمام الصادق هو الذي إذا قال أمرًا أطاعه الناس؛ فهو كبير بني هاشم ورئيسهم والجميع تحت طاعته والانقياد له، وبدون الإمام الصادق لا يمكن القيام بشيء! لذلك كانوا يريدون أن يضعوه في المقدّمة ويفعلوا ما يحلو لهم.
فكما أنّ تلك الشجرة الخبيثة من بني العبّاس فعلت ذلك، حيث إنّ المأمون جاء بالإمام الرضا وقدّمه لكي تهدأ الاختلافات والاعتراضات ثمّ سمّمه بخفاء وأزاحه من طريقه وسار إلى بغداد، فإنّ هؤلاء أيضًا أرادوا ذلك وكان مشروعهم هكذا، فلم يكن هؤلاء مسلمين كأبي ذرّ وسلمان، بل لم يكن لديهم سوى ظاهر وعمامة وينتسبون إلى النبيّ وإلى العبّاس عمّ النبيّ ويزعمون أنّ بني أميّة وبني مروان انتزعوا الخلافة منهم.
فعرف الإمام الصادق ما يخطّطون له فقال لهم: لن تصل الخلافة إليكما ولا إليّ بل إلى صاحب القباء الأصفر. وقد كان المنصور الدوانيقي جالسًا هناك مرتديًا قباء أصفر.۱ لقد كان هؤلاء يعلمون أنّه لا شكّ في كلام الإمام الصادق ككلام جدّه أمير المؤمنين وكلام النبيّ، وكانوا يعرفون ذلك.
جاء بالرسالة إلى الإمام الصادق وهو جالس بين جماعة من أصحابه، فقال الإمام سأجيب لاحقًا على هذه الرسالة، قالوا: لقد وصلت الرسالة فاقرأها، فقرأها الإمام وكانت عبارة عن دعوة المنصور الدوانيقي للإمام الصادق عليه السلام، فقال الإمام: كلاّ نحن لسنا أهلاً لهذه الأمور، ونحن مشغولون بعملنا، نبيّن الحكم الشرعيّ، نلقي دروسنا، ولا شأن لنا بأحد ولسنا من أهل هذه الأمور، وكلّ من كان يريدها فهو أخبر بنفسه. أصرّ الأصحاب الحاضرون وذلك الرجل الذي جاء بالرسالة على أنّ الظروف الآن تغدو مؤاتية فلماذا لا تقبل؟ فهمس الإمام في أذن من جاء بالرسالة أن اذهب وقل لصاحبك أن يطمئنّ من جانبنا. وقال الأصحاب الذين كانوا حاضرين: لماذا لا تخرج يا اين رسول الله؟! لا يمكن للإمام أن يقول لهم: عندي اطّلاع على ما تحتويه هذه الرسالة في باطنها. فلو أعلن لافتضح الأمر، لذلك فإنّ الإمام قام بهذا العمل. ومهما أصرّوا كان الإمام يبدأ بالقول لهم إنّ هناك أمورًا لا تعلمونها، والمسألة تنتهي عند هذا الحدّ وينتهي الأمر، فأعاد الإمام وهو في مكانه الرسالة إلى غلافها وقال لذلك الرجل أعدها إليه، فجاء بها إلى المنصور فأدرك أنّه ليس هناك غرض للإمام.
- راجع معرفة الإمام، ج۱۷، ص ٢۱٤ و ٢٦۸.
