
أعلى مراتب التقوى ولوازمها
ما هي أعلى مراتب التقوى؟ وماذا ينتج عن الوصول إليها؟ وكيف يصل الإنسان إليها؟ وهل العلم وحده يكفي في ذلك أم لا بدّ من الولاية والطاعة للوليّ؟ وكيف يحافظ الإنسان على المراتب التي وصل إليها من التقوى؟ كيف ومتى نستعدّ للأشهر الثلاثة؟ تتحدّث هذه المحاضرة حول هذه الموضوعات وتجيب عن هذه الأسئلة في ختام الحديث عن فقرة فهذه أوّل درجة التقى... من حديث الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصري.
أعلى مراتب التقوى ولوازمها
2أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا أبي القاسم محمّد
(اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآلِ محمّد)
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
ما هي أعلى مراتب التقوى؟
{... إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...}۱
تقدّم في الجلسة السابقة للرفقاء أنّ التقوى ذات مراتب ومراحل، ومرحلتها الأخيرة عبارة عن مقام العصمة، وهذه العصمة لا تختصّ بالأئمّة عليهم السلام، بل إنّ أولياء الله أيضًا الذين عبروا من مرحلة الذات ونحّوا النفس جانبًا، واتّحدت حقيقتهم الجوهريّة بذات الله، ووصلوا في جوهرهم إلى مرتبة النور البسيط المطلق، وارتقوا من مرحلة الحال إلى مرحلة المقام، وماتت نفسهم البشريّة وحصل لهم الفناء الذاتيّ في ذات الله، وحصل لهم البقاء بالله بعد الفناء فيه في مراتب أسمائه وصفاته، فهؤلاء أيضًا وصلوا إلى مقام العصمة، وتقدّم أنّ هذه المرتبة هي آخر مراتب التقوى.
ما العلاقة بين أعلى مراتب التقوى والعصمة والعلم؟
وفي هذه المرتبة لا معنى للجهل، وهو منتف من أصله، وفي هذه المرتبة لا معنى للإدراكات الخارجيّة والتأثيرات الخارجيّة وما يجري حول الإنسان، وفي هذه المرتبة لا تأثير للمسموعات في الإنسان حتّى تحصل له فكرة ما على أساس المسموعات والمشاهدات والمكتوبات والكتب والجرائد ووسائل التواصل الاجتماعيّ ليقرّر على أساسها، ثمّ يعلم أنّ كلّ ذلك كان كلامًا فارغًا، وكان مجرّد برنامج وخطّة، كلّ ذلك كان خدعة مدروسة مسبقًا ليقع في الفخّ وقد وقع، وبعد إيقاعه في الفخّ يرى أن يا للعجب الكلام الذي سمعه كان خطأ! التصوّر الذي تصوّره عن الحقائق والقضايا كان على أساس المسموعات والتقارير، ولم تكن خالية من الأغراض، فهل التفتّم؟! نحن في مرتبة كهذه، نحن لم نصل إلى مرتبة العصمة، نحن في مرتبة البشريّة والعقول والإدراكات البشريّة، والقرارات التي نتّخذها ترتكز إلى المسموعات التي تحصل من هنا ومن هناك.
أرأيتم بعضهم يذهبون إلى القاضي ويبدأون بالبكاء واللطم على الرأس والتمثيل، فلو لم يكن القاضي مطّلعًا على هذه الأمور لخُدع، لأنّه لا يعلم الغيب، وليس مقصّرًا في ذلك، وعليه أن يبذل قصارى جهده في الأمور الظاهريّة، ولكن في النهاية يمكن أن يخطئ، وهذا لا إشكال فيه، فإنّه يصحّح خطأه لاحقًا. فعندما يراجع الأفراد الإنسانَ ـ وقد حدث هذا معي شخصيًّا ـ عندما أطرح عليهم بعض الأسئلة حول بعض الأمور، أدرك أنّه يخادع من الجملتين الأوليين، لا يريد أن يبيّن الأمور بشكل صريح، لا يريد أن يقول الحقيقة، فالجمل والتعابير مصحوبة بالأحاسيس وجذب النفوس، التعابير التي فيها مسرّة ومدح وتمجيد! فنقول: دع هذا الكلام جانبًا، قل ما تريد! استعمل هذا المديح في مكان آخر، استعمله في بيتك! أمّا هنا فقل كلامك كما هو! أو التفت ولا تنحرف عن الحقّ! من الواضح أنّهم يريدون أن يخادعوا، جميعهم هكذا، فليست المسألة واضحة.
- سورة الرعد، الآية۱۱
