
أعلى مراتب التقوى ولوازمها
ما هي أعلى مراتب التقوى؟ وماذا ينتج عن الوصول إليها؟ وكيف يصل الإنسان إليها؟ وهل العلم وحده يكفي في ذلك أم لا بدّ من الولاية والطاعة للوليّ؟ وكيف يحافظ الإنسان على المراتب التي وصل إليها من التقوى؟ كيف ومتى نستعدّ للأشهر الثلاثة؟ تتحدّث هذه المحاضرة حول هذه الموضوعات وتجيب عن هذه الأسئلة في ختام الحديث عن فقرة فهذه أوّل درجة التقى... من حديث الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصري.
أعلى مراتب التقوى ولوازمها
16ليست القضيّة أنّ الإمام الحسين يجلس جانبًا ويقول: أيّها الناس انظروا هذا عليّ الأكبر يذهب إلى الميدان وهذا الجيش يقتله ثمّ يصرخ ويلطم على رأسه، بل كلّ ذلك على أساس إرادته هو، فما لم يرد سيّد الشهداء عليه السلام فإنّ ذلك السهم ذي الشعب الثلاث لحرملة والخارج من قوسه متوجّهًا إليه يمكن أن يحيد بحركة من الهواء بضعة سانتيمترات نحو هذا الاتّجاه أو ذاك ويبتعد عنه، ولكن كلا، فالإمام يهديه أن تعال واستقرّ في قلبي! فسيّد الشهداء نفسه يهدي هذا العمل، لماذا؟ لأنّ إرادة الله تعلّقت بذلك، فإذن الإمام عليه السلام مجري الإرادة والمشيئة الإلهيّة وفي الوقت نفسه عندما يحدث ذلك فلأنّ قلبه أرأف من الجميع يجري دمعه أيضًا وينكسر قلبه، فمقتل عليّ الأكبر ليس بالهزل.
شهادة عليّ الأصغر ليست بالهزل، شعرة من هؤلاء تعادل جميع عالم الملك والملكوت، بل أين الملك والملكوت منهم؟ نحن نرى عليًّا الأصغر طفلاً في القماط، ولكن هناك عالم كامن في هذا الطفل على أساسه يحتاج جميع الأنبياء إلى شفاعته، أفهل عرفتم الآن من هو هذا الطفل؟! إنّه من يحتاج إلى شفاعته جميع الأنبياء، ومع ذلك فإنّ الإمام عليه السلام يأتي بإنسان كهذا ويجري عليه المشيئة الإلهيّة دون أن يتردّد قلبه، ومع ذلك يحترق ويبكي ويجري الدمع من عينه، لأنّه يحبّه ولأنّه أبوه، وفي الوقت نفسه هو في حالة شعف وأنس ومسرور القلب لأنّه يرى أنّ هذا العمل كيف بلغ بالطفل إلى رشده وإلى أين يبلغ به، وكم تحصل للأمّة من الشفاعات بواسطة هذا العمل، فانظروا كم هو الفارق؟!
هل عرفنا نحن الإمام؟!
نحن لم نعرف الإمام أيّها الإخوة! أين عرفنا نحن الإمام الحسين؟ نحن هكذا نقيم المواكب واللطميّات بحماس فأين عرفنا إمام الزمان؟ نحن نتخيّل إمام الزمان رجلاً كالآخرين، غاية الأمر أنّه موضع اهتمام الله مقدارًا ما، فقط هكذا، وقد أعطاه الله مقدارًا بحيث يتمكّن أن يخفي نفسه عن الأنظار، حسنًا فلو كان الأمر كذلك فالجنّ يمكنهم أيضًا أن يخفوا أنفسهم عن الأنظار، ينتقلون من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى مكان آخر، أليس في قصّة النبيّ سليمان: {قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}۱ فمقام العصمة هذا بهذه الطريقة وبهذه الكيفيّة جعله الله تعالى لذلك المؤمن الذي سلّم نفسه للإمام، فانظروا إذن كم لدينا إله جيّد فتح لنا نحن أيضًا هذا الطريق، فلا تقولوا: يا الله هذه الدرجات والمراتب والمقامات هي للأئمة فقط. لأنّ الله يقول: كلاّ. أنت أيضًا سلّم وانظر أنعطيك إيّاها أنت أيضًا تحت ظل إمام الزمان ولوائه أم لا؟! أنت سلّم واعلم بأنّك تصل إلى مقام يقول عنه الإمام الهادي عليه السلام إنّك لن تكون قابلاً للوصف فيه، يعني ستكون أعلى من الوصف ولا يمكن لأحد أن يصفك.
- سورة النمل، الآية ٣٩
