
أعلى مراتب التقوى ولوازمها
ما هي أعلى مراتب التقوى؟ وماذا ينتج عن الوصول إليها؟ وكيف يصل الإنسان إليها؟ وهل العلم وحده يكفي في ذلك أم لا بدّ من الولاية والطاعة للوليّ؟ وكيف يحافظ الإنسان على المراتب التي وصل إليها من التقوى؟ كيف ومتى نستعدّ للأشهر الثلاثة؟ تتحدّث هذه المحاضرة حول هذه الموضوعات وتجيب عن هذه الأسئلة في ختام الحديث عن فقرة فهذه أوّل درجة التقى... من حديث الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصري.
أعلى مراتب التقوى ولوازمها
14لقد كان حال أمير المؤمنين عندما وصل إلى الخلافة بتلك الطريقة التي نقلت في الروايات كحاله عندما نقضوا بيعته وأخذوه إلى المسجد بالقوّة، لقد كانت المبايعة لأمير المؤمنين بطوع جميع الناس ورغبتهم سوى ثلاثة ذكروا في التاريخ، خلافًا لبيعة خلفاء الجور التي حصلت بالقوّة والغلبة ومحاصرة دار أمير المؤمنين وإحراق الباب وكسره وصفع وجه السيّدة الصدّيقة وكسر ضلعها وإسقاط المحسن بن عليّ وقتله وإلقاء الحبل في عنق أمير المؤمنين وجرّه إلى مسجد النبيّ الأمر الذي يعترف به معاوية في رسالة له إلى أمير المؤمنين حيث يقول: جررت كما يجرّ الجمل المخشوش فأجابه الإمام: أردت أن تذمّ فمدحت۱؛ لأنّي أفتخر بأنّي وقفت في وجه الظلم حتّى ألقوا الحبل في عنقي وجرّوني إلى المسجد، فهذا مورد فخر، وهذا عار عليك وعلى الخلفاء من قبلك أن فعلتم ذلك بمن هو مدينة علم النبيّ ومالك الملك والملكوت، لأنّه في مقام التسليم ومقام الرضا ومقام اختيار مشيئة الله على مشيئة نفسه حتّى صار مستعدًّا أن يصنعوا به ذلك، فأخذتموه على هذه الحال إلى المسجد ليبايع، هذا سبب للفخر لا للعار، العار لهم هم.
لقد كان أمير المؤمنين في ذلك اليوم كيوم جاء الحكمان وأبو موسى الأشعريّ الجاهل عديم العلم وجلس مع عمر بن العاص وسلّم الحكومة لمعاوية، كلاهما بالنسبة إليه متساويان لا يختلفان أبدًا، كان توجّهه في الصلاة واحدًا، كان كلامه واحدًا، كما كان يضحك في ذلك اليوم فهو يضحك في هذا اليوم، نعم في الظاهر يتكلّم مع الناس ويخطب بهم ويحتجّ عليهم أن ماذا فعلتم وفعلتم، ولكن في قلبه وفي باطنه يضحك على جميع ذلك. صحيح؟!
وهذا المقام هو مقام الشهود، وأعلى من الشهود كما ذكرنا، إنّه مقام العلم الحضوريّ حيث تصبح نفس وليّ الله مجرى لتحقّق الأعيان الخارجيّة، فما تحقّق في عالم الخارج بمشيئة الله ـ لا بمشيئتنا ومشيئة الوليّ، كلاّ بمشيئة الله تحقّق ـ تلك المشيئة وذلك التقدير يتحقّق من نفس الإمام عليه السلام! الإمام عليه السلام يشبه البنّاء الذي ينفّذ خارطة المهندس في هذا البناء، فمثلاً يجعل هنا عمودًا وهناك عمودًا آخر، وهنا جدارًا من بضعة سانتيمترات، وهناك درجًا ونافذة و... فجميع تلك الخارطة التي رسمها المهندس على الورق يأتي البنّاء ويطبّقها بدقّة فيبني هذا البناء، ونفس الإمام عليه السلام هو البنّاء الذي ينفّذ خارطة عالم الوجود التي تحقّقت بواسطة الذات الإلهيّة المقدّسة بطرفة عين، وطبعًا هذا المثال لأجل التقريب إلى الذهن، لأنّ الأمر أرفع من ذلك ولا يمكن أن أبيّن أكثر من ذلك، فالمسألة أرفع من ذلك وأدقّ.
- بحار الأنوار، ج٢۸، ص ٣۱۸.
