
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
ما علاقة المعرفة بالتقوى؟ وما هي طرق المعرفة الظاهريّة والباطنيّة؟ ما هي طريقة المعرفة عند الإمام عليه السلام وكيف يشرف على الحقائق؟ وكيف يمكن الوصول إلى مرتبة العلم الحضوري؟ وهل يمكن لغير الإمام أن يصل إلى مرتبة العصمة وكمال التقوى؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة ضمن شرح فقرة فهذه أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
21وبناء على ذلك فإنّ تلك المرتبة من التقوى التي يشير إليها الإمام الصادق في آية {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقّين}.۱ لقد جعلنا الدار الآخرة للذين لا يبحثون عن الإنكار، يقبلون الحقّ ولا يفرّون إلى هنا وهناك، إذا رأوا الواقع قبلوا به ولم يفكّروا بأنّهم إن قالوا ماذا سيجري، حينها يجب أن يقال له: لقد خسرت وانتهى الأمر، خسرت، ومن البداية علينا أن لا نسمح لهذا الإنكار أن يأتي إلى الذهن، وقد كان المرحوم العلاّمة يقول هذا، وهذا هو الحقّ.
لا بدّ أن نعلم أنّ هذا الأمر وتحصيل هذه التقوى ليس بالدراسة، ولو قرأنا من الكتب مدّة عمر نوح فلا فائدة، بل هذا الطريق يحتاج إلى عمل، يحتاج إلى مراقبة، فالسلوك يحتاج أن يتحرّك الإنسان وأن يعمل بهذه الأمور الواحد تلو الآخر، وإذا ابتلي بهذه الأمور لا يتوقّف، حينها سيكون قد خسر، وهذا العبور يؤدّي إلى حصول مرتبة أعلى، وهكذا العبور من المرتبة الأعلى، أمّا لو توقّف في مرتبة فإنّه سيتوقّف، وقد جاء في الآية القرآنيّة: {من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد}٢ علينا أن نداوم ونحافظ كثيرًا على هذه الآيات ولا نظنّ أنّ أوضاع الدنيا هكذا بغير حساب وعلى أساس الصدفة، كلاّ، بل لكلّ شيء حساب، فالعاجلة تعني الدنيا من العجلة، من أراد الدنيا عجّلنا فيه فيها ما نشاء لمن نريد، أعطيناه ما يريد بقدار ما نريد نحن لا أكثر، فلا يتصوّرنّ أنّه لو أراد أن يفتح الدنيا كلّها قلنا له: تفضّل. كلاّ. فلسنا نجعل السماء والأرض والملائكة تحت تصرّف من كان في مقام الإنكار، وإلاّ فإنّ كثيرًا من الظالمين يريدون أن يبيدوا الدنيا كلّها! فليس هذا العالم متروكًا سدى لكي نعطيه كلّ ما يريد، كلاّ، بل نعطيه مقدارًا من الأهواء والرغبات النفسيّة والفرعونيّة والنمروديّة ونقول له: مباركة عليك. ولا نعطيه كلّ شيء، وإلاّ لما بقي شيء على وجه الأرض قال:
گربه مسكين اگر پر داشتى *** تخم گنجشك از زمين برداشتى - سورة القصص الآية ۸٣.
- سورة الإسراء، الآية ۱۸.
