
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
ما علاقة المعرفة بالتقوى؟ وما هي طرق المعرفة الظاهريّة والباطنيّة؟ ما هي طريقة المعرفة عند الإمام عليه السلام وكيف يشرف على الحقائق؟ وكيف يمكن الوصول إلى مرتبة العلم الحضوري؟ وهل يمكن لغير الإمام أن يصل إلى مرتبة العصمة وكمال التقوى؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة ضمن شرح فقرة فهذه أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
19أتزعَمُ أنَّك جِرمٌ صغيرٌ *** و فيك انطوى العالَمُ الأكبَر فهذا المؤمن المسلّم لأمرنا هو المؤمن الذي وصل إلى مقام العصمة، أي إلى المقام الذي تظهر فيه جميع الحقائق بشكل خارجيّ في نفس الإنسان، غاية الأمر أنّ ذلك تحت ولاية الإمام، وفي كلّ زمان تحت ولاية إمام ذلك الزمان، اليوم وفي هذا الزمان فإنّ إمام العصر عجّل الله تعالى فرجه هو وليّ العالم، وهو المشرف على اللوح المحفوظ وعالم الوجود، وهو بذلك معصوم عن الخطأ، لا لأنّه صاحب علم، بل لأنّ اللوح المحفوظ في نفس الإمام ولأنّ نفس الإمام لها وجود خارجيّ، فبواسطة ذلك إمام معصوم، لا أنّ الله يقول له شيئًا ويخبره ببعض الأسماء وببعض الأمور، كلاّ بل حيث إنّ عالم الوجود هو في نفس الإمام المعصوم، فلا معنى للخطأ عنده، وجميع الحقائق عنده، فذاك الآخر جالس هناك وهو مشرف على الجميع إشرافًا عليًّا.
وهنا يرتقي الأمر عمّا كان عليه فيما يرتبط بالأمر الأوّل، لأنّ الأمر الأوّل كان الحضور المحسوس، أمّا فالمشيئة وعمليّة نزول الفيض الإلهيّ من أسماء وصفات ولاية الإمام نفسه، وهذا أرفع من ذاك، فذلك الوليّ الذي هو شيعيّ وموال للإمام ومسلّم لأمره بهذا المعنى وفان في ولايته، فقد خرج من مرتبة البشريّة، ووصل عقله إلى مرتبة العقل الفعّال المدبّر لكافّة التعيّنات الخارجيّة في حقيقة عالم الوجود، فعقله ونفسه قد وصلا في مقام الشهود إلى مرتبة من التوازن والتساوي والاتّحاد، لذلك فإنّ الحكم الذي يحكم به يستند إلى العصمة، والوليّ هو إنسان كهذا، وهذا هو الشيعيّ التابع لأمير المؤمنين والشيعيّ التابع لإمام الزمان، إنّه معصوم في حكمه وقضائه ورؤيته التي يطرحها كالإمام نفسه لا يختلف عنه أبدًا.
وهذه المرتبة عبارة عن أعلى مراتب التقوى التي يقول الإمام الصادق عنها لعنوان البصري: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتّقين. فالعاقبة للمتّقين، وهم الذين يصلون في النهاية إلى مرتبة العصمة كما وصل الإمام عليه السلام إلى مرتبة العصمة، غاية الأمر أنّ الفرق هو أنّ عصمة الإمام عليه السلام هي عصمة في ظلّ ولاية الحقّ، وعصمتهم هي عصمة في ظلّ ولاية وإشراف الإمام لأنّه هو أيضًا يمتلك هذه العصمة.
