
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
ما علاقة المعرفة بالتقوى؟ وما هي طرق المعرفة الظاهريّة والباطنيّة؟ ما هي طريقة المعرفة عند الإمام عليه السلام وكيف يشرف على الحقائق؟ وكيف يمكن الوصول إلى مرتبة العلم الحضوري؟ وهل يمكن لغير الإمام أن يصل إلى مرتبة العصمة وكمال التقوى؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة ضمن شرح فقرة فهذه أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
18حينها قال الإمام لي: يا يحيى ترجّل عن مركبك لتدفن الموتى من أصحابك، واعلم أنّ الله يملأ الصحاري بالموتى هكذا.
يقول يحيى: ألقيت بنفسي عن الخيل وأسرعت نحو الإمام أقبّل ركابه ورجليه وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله وأنّكم أنتم خلفاء الله في الأرض وقد كنتُ يا مولاي إلى الآن كافرًا، والآن أسلمتُ على يديك.
يقول يحيى: ومنذ ذلك الحين تشيّعت وصرت ملازمًا للإمام حتّى مات.۱
فالإمام يقول للفتح بن يزيد الجرجاني إنّه كما أنّ ذات الله لا توصف وليس هناك ذات يمكنها أن تصفها سوى ذات الله، وكما أنّ ذات رسول الله لا يمكن أن توصف فإنّ ذات الإمام أيضًا لا يمكن أن توصف، والإمام عندنا هكذا، فالإمام يريد أن يقول للفتح: أن تكون الآن قربي وترى أنّي أبيّن لك علم الغيب وترى ما جرى لذلك الشرطيّ فعليك أن تعلم أنّ كلّ ذلك ليس بالأمر المهمّ وهو بالنسبة لنا حطّ لمقامنا ويسبّب لنا العار، أنت لا تدري ماذا يجري في أعماق قلبي، لا تدري أين هي نفسي، لا علم لك بذلك أبدًا، أنت تسأل بمقدار فهمك، وأنا أجيبك بهذا المستوى أيضًا، ولو رفعت الستار قليلاً لقُطِّعْتَ إربًا وانفجرت، أو لجننت أو لمضيت إلى الجبال والصحاري، لذلك فإنّي أجيبك بمستوى فهمك وإدراكك لا أرفع من ذلك، نعم ارفعْ مستوى فهمك لكي أرفع مستوى جوابي أنا أيضًا.
هنا يتابع الإمام الكلام ويصل إلى نقطة تستحقّ الكثير من التأمّل حيث يقول: كما أنّ ذات الله ورسول الله وذات الإمام لا يمكن أن توصف فإنّ ذات المؤمن المسلّم لأمرنا أيضًا لا يمكن أن توصف، وهذا هو مقام العصمة.
لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذا الكلام ليس من الحقير، بل هو كلام الإمام الهادي عليه السلام الذي يقول إنّ العجز عن وصف ذات الله مساوٍ للعجز عن وصف المؤمن والشيعيّ المسلّم لأمرنا، ومعنى التسليم لأمرنا هو أنّه جعل ذاته فانية في ذاتنا، ولم يعد ذلك الإنسان كأيّ إنسان نراه، نعم هو في الظاهر هكذا وله خصوصيّات فمثلاً لون شعر رأسه ولحيته كذا، وممشاه كذا، ولكنّه مصداق لهذا البيت من الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام:
- بحار الأنوار، ج ٥۰، ص ۱٤٢، حديث: ٢۷، نقلاً عن الخرائج للراوندي.
