
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
ما علاقة المعرفة بالتقوى؟ وما هي طرق المعرفة الظاهريّة والباطنيّة؟ ما هي طريقة المعرفة عند الإمام عليه السلام وكيف يشرف على الحقائق؟ وكيف يمكن الوصول إلى مرتبة العلم الحضوري؟ وهل يمكن لغير الإمام أن يصل إلى مرتبة العصمة وكمال التقوى؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة ضمن شرح فقرة فهذه أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
16يقول الإمام الهادي عليه السلام: الله لا يوصف وهو أعلى من الأوهام والعقول، وكما أنّ الله لا يوصف، فإنّ رسوله أيضًا لا يوصف، فانظروا فالإمام الهادي يريد أن يقول هنا: كما أنّ الله هو الذي يصف نفسه ولا يمكن لأحد غير الله أن يصفه، كذلك فإنّه ينسب العجز عن توصيف النبيّ إلى غير النبيّ ويقول: النبيّ أيضًا لا يوصف، أي إنّ حقيقة النبيّ الأكرم كالله لا تقبل التوصيف.
والآن يجب أن ننظر كيف يمكن أن نتصوّر هذا الأمر؟ هل المقصود أنّ رؤيتنا للنبيّ لا يمكن أن توصف؟! حتمًا ليس كذلك لأنّ كون النبيّ له خصوصيّات ككونه ابن عبد الله بن عبد المطّلب مثلاً وآمنة بنت وهب، أو خصوصيّات أخرى من قبيل طول قامته ولونه وشعره وأسنانه وخلُقه الكريم وو... فإنّ جميع ذلك يقبل الوصف كما جاء في القرآن الكريم: {وإنّك لعلى خلق عظيم} ۱ فأن نقول إنّ النبيّ كان رؤوفًا ورحيمًا جدًّا، وكان عطوفًا في تعامله مع الناس، وكان يعفو ويصفح كثيرًا وأمثال هذه الأمور الكثيرة التي لدينا، وجميعنا يدرك ذلك ونصف النبيّ على أساسه، فإذن ما هو مراد الإمام الهادي من قوله إنّ النبيّ لا يقبل التوصيف؟ فلو قصدتكم أيّ عالم وطلبتم منه أن يصف النبيّ فإنّه بتصفّح بضعة كتب يأتي بصفات النبيّ وأنّه كان يتميّز بهذه الخصوصيّات. ومضامين هذه الكتب صحيحة إلى حدٍّ ما، فمثلاً كان عمره بضعًا وستّين سنة، حياته، حروبه، أخلاقه، سلوكه، عبادته، تهجّده، معاشرته مع الناس كانت هكذا، وجميع الناس كانوا يثنون عليه ويمدحونه بمكارم الأخلاق، ولا يمكن لأحد أن يجد في النبيّ نقطة ضعف.
ولكنّ الكلام هو في أنّ هذه الأمور هي أعلى وأرقى وصف وتمجيد ومنتهى ما يصل إليه علم أكبر علماء الدين حول النبيّ وفكره؟!
ألم يقل بعضهم استنادًا إلى الآية المباركة: {قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ}٢ أنّ النبيّ مثلنا ولا يختلف عنّا في الكمالات والعلم والفهم و... فمعنى هذه المقارنة هو أنّا كما لا ندرك شيئًا فهو أيضًا لا يدرك، ولو شاء الله أفهمنا وهو كذلك، فهذه نهاية علمنا بالنسبة إلى النبيّ، غير أنّ الإمام الهادي عليه السلام ليس كذلك، الإمام الهادي يختلف عنّا. الإمام الهادي يقول للفتح بن يزيد الجرجاني: ما تصفون به النبيّ هو بمستوى فهمكم أنتم وإدراككم، فكما أنّ ذات الله لا تقبل الوصف، فإنّ ذات رسول الله لا تقبل الوصف. ثمّ يقول: كما أنّ ذات الله ورسول الله لا تقبل الوصف فإنّ ذات الإمام عليه السلام أيضًا لا تقبل التوصيف، فأنت الآن إذ تسير معي ليس لك اطّلاع على ذاتي أنا الإمام الهادي، ولا تعلم بما يجري في قلبي، فأنت لا ترى إلا ظاهرًا وبدنًا فكلّما سألتني أجبتك، وتظنّ أنّنا نعلم الغيب بنسبة ما، لأنّ الإمام الهادي عليه السلام كان يبرز بعض المعجزات، فمثلاً عندما جاء عدد من الرجال من قبل المتوكّل بإمرة يحيى بن هرثمة لإحضار الإمام الهادي عليه السلام إلى سامرّاء يقول يحيى بن هرثمة: ناظر أحد رجال الشرطة ممّن كان معي وهو من الخوارج كاتبي الشيعيّ، وأنا كنت من أتباع مذهب الحشويّة، وكنت أستمع إلى المناظرة من باب الاستراحة لتهون عليّ الطريق.
- سورة القلم الآية ٤.
- سورة الكهف، الآية ۱۱۰.
