
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
ما علاقة المعرفة بالتقوى؟ وما هي طرق المعرفة الظاهريّة والباطنيّة؟ ما هي طريقة المعرفة عند الإمام عليه السلام وكيف يشرف على الحقائق؟ وكيف يمكن الوصول إلى مرتبة العلم الحضوري؟ وهل يمكن لغير الإمام أن يصل إلى مرتبة العصمة وكمال التقوى؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة ضمن شرح فقرة فهذه أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
14عندما سأل سلمان وأبو ذرّ أمير المؤمنين عليه السلام أن يا عليّ كيف نعرفك؟ قال في جوابهما: معرفتي بالنورانيّة معرفة الله عزّ وجلّ ومعرفة الله عزّ وجلّ معرفتي بالنورانيّة.۱
هذا الحديث معروف بحديث النورانيّة، وإذا وفّقنا الله لديّ نيّة في أن أترجم هذا الحديث وأفسّره وأبيّن ما معنى المعرفة بالنورانيّة وما المراد بها. فالإمام هنا يوضّح أنّ ذات الله لا يمكن أن تعرف إلا بالله نفسه، وأنّ معرفتي هي معرفة الله بذاته، فمن عرفني فقد عرف الله بالنورانيّة، ومن عرف الله بالنورانيّة فقد عرفني، وهذا هو اتّحاد الولاية والتوحيد! وهو الإشراف العلّي على اللوح المحفوظ فيما يرتبط بجميع عالم الوجود، وقد ورد هذا المعنى في الزيارة الجامعة كما ذكرنا من أنّ مجاري جميع الأمور الإلهيّة إنّما تنشأ من ناحية أياديهم ونفوسهم ومشيئتهم.
فأمير المؤمنين يقول لسلمان: هذه المعرفة هي المعرفة بالنورانيّة، وأنا واسطة عالم الوجود، لذلك يقول: أنا من أوصل سفينة نوح إلى مأمنها، وأنا من أنجى إبراهيم من النار، وأنا من جاوز بموسى البحر، وأنا من رفع عيسى إلى السماء، وأنا من أنجى نوحًا.٢ وكلّ ما يبيّنه أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الرواية هو حقيقة الولاية، وهو عبارة عن مقام العصمة الذي لا معنى للخطأ في التصوّر فيه، لأنّ حضور الأشياء الخارجيّة عند النفس ليس حضورًا تصوّريًّا وذهنيًّا! بل حضور علّي وعينيّ وبالعلم الحضوريّ.
فعندما يقول أمير المؤمنين أنا من أنجى سفينة نوح يعني أنّ حقيقتي هي التي خلقت هذه الحادثة، وأوجدت نوحًا، وخلقت هذه الأحداث، وأنا من جاء بالسفينة وجعلها تستوي على الجوديّ. فنجاة موسى وعيسى وو... ناشيء من حقيقة وجودي أنا، وهذا المقام هو مقام العصمة، وفي هذا المقام سيكون العقل مساويًا للنفس من حيث المرتبة، وما تراه النفس يقضي به العقل، وما يقضي به العقل هو عين ما تراه النفس حاضرًا.
فلم يعد القضاء هنا بترتيب الصغرى والكبرى من القضايا واستنتاج النتيجة، بل الأمر هنا هو بيان الحقائق النفسيّة التي تراها النفس في وجودها، ثمّ تخرجها على شكل العقل في قالب البرهان والدليل، فوراء هذا الدليل والبرهان ذاك الشهود الباطنيّ كشهود عينيّ خارجيّ، لا على نحو الشهود العلميّ والحصوليّ المتعارف والمعتاد! وهذه المرتبة عبارة عن مرتبة العصمة ومرتبة التقوى.
- بحار الانوار، ج ٢٦، ص ۱، باب نادر فى معرفتهم بالنّورانيّه ( ۱٣)، حديث: ۱.
- مشارق أنوار اليقين، ص ٢٦۷ ـ ٢۷۰: أنا صاحب الطوفان الأول ، أنا صاحب الطوفان الثاني ، أنا صاحب سيل العرم ، أنا صاحب الأسرار المكنونات ، أنا صاحب عاد والجنات ، أنا صاحب ثمود والآيات ، أنا مدمرها ، أنا مزلزلها ، أنا مرجعها ، أنا مهلكها ، أنا مدبرها ، أنا بانيها ، أنا داحيها ، أنا مميتها ، أنا محييها ...
أنا صاحب إبليس بالسجود ، أنا معذبه وجنوده على الكبر والغرور بأمر الله ، أنا رافع إدريس مكانا عليا ، أنا منطق عيسى في المهد صبيا...
أنا المسيح حيث لا روح يتحرك ولا نفس يتنفس غيري ، أنا صاحب القرون الأولى ، أنا الصامت ومحمد الناطق ، أنا جاوزت بموسى في البحر ، وأغرقت فرعون وجنوده ، وأنا أعلم هماهم البهائم ، ومنطق الطير ، أنا الذي أجوز السماوات السبع والأرضين السبع في طرفة عين ، أنا المتكلم على لسان عيسى في المهد ، أنا الذي يصلي عيسى خلفي ، أنا الذي أنقلب في الصور كيف شاء الله ، أنا مصباح الهدى ، أنا مفتاح التقى ، أنا الآخرة والأولى
