
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
ما علاقة المعرفة بالتقوى؟ وما هي طرق المعرفة الظاهريّة والباطنيّة؟ ما هي طريقة المعرفة عند الإمام عليه السلام وكيف يشرف على الحقائق؟ وكيف يمكن الوصول إلى مرتبة العلم الحضوري؟ وهل يمكن لغير الإمام أن يصل إلى مرتبة العصمة وكمال التقوى؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة ضمن شرح فقرة فهذه أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
كيف تحصل أعلى مراتب التقوى؟
10"اگر نازى كند از هم فرو ريزند قالبها"
يقول: لو أظهر الدلال وأراد أن يقطع فيضه لتحطّمت جميع القوالب وانعدمت الموجودات.
فالجميع هو، فجنّته ونعيمه هو، وجهنّمه وعذابه أيضًا هو، والجميع من ولاية أمير المؤمنين، يقول الإمام الصادق لصاحبه: كما أنّي أشعر بوجودك الآن وأنّك تسألني فإنّي أشعر بجميع الأشياء ممّا سوى الله إلى يوم القيامة، أشعر بها لا أنّي أراها، ولا أنّه يخطر في ذهني ونفسي شيء ما يمكن أن يكون خطأ أو صوابًا! هل يمكن أن أقول إنّي مشتبه في كونك جالسًا إلى جانبي؟! فإذن كلّ ما سيتحقّق إلى يوم القيامة أنا أشعر به الآن وهذا هو اللوح المحفوظ، فإذن اللوح المحفوظ عبارة عن الحقائق الخارجيّة لعالم الوجود! والمقصود من اطّلاع الإمام على اللوح المحفوظ هو اطّلاع ذلك الإمام على كلّ حقائق العالم بالعلم الحضوريّ في نفس الإمام!
كيف يحصل العلم الحضوريّ؟
وأمّا أنّه كيف يمكن لإنسان أن يحصل لديه علم حضوريّ ومعرفة بحقائق عالم الوجود وأن يشعر بذلك؟
فجوابه أنّ امتلاك الإحساس بذلك يعني فناء جميع التعيّنات الخارجيّة في وجود تلك الحيثيّة العلّية وفي وجود ذلك الموجود الذي له إشراف علّي على هذا الأمر.
وهذا هو معنى الإشراف على حقيقة الباطن، فإمّا أن يصل الإنسان إلى ذلك الباطن بواسطة ذلك (فناء جميع التعيّنات الخارجيّة في وجود الحقيقة العِليّة)، وإمّا بواسطة العقل، وقد قدّمنا توضيحًا حول العقل في الجلسة السابقة، وذكرنا أنّ على الإنسان أن يبلغ في عقلانيّته درجة لا يخطئ عقله معها في الأمور والمقدّمات التي يرتّبها، وأن يبلغ في قضائه وحكمه مرحلة العصمة ويكون معصومًا، يجب أن يصل العقل إلى هذه المرتبة من العصمة بحيث لا يخطئ بعدها، فهل وصلنا نحن إلى هذا المستوى؟ هل بلغنا في محاكماتنا التي نقوم بها كلّ يوم إلى هذا المستوى؟ هذا لو فرضنا أنّ القاضي والحاكم هو إنسان جيّد لا غرض له ولا عناد عنده. طبعًا يمكن أن يخطئ الإنسان في أمر ما لأنّ الإنسان جائز الخطأ ويمكن أن يخطئ في أمر ما، ويعطي الحقّ لزيد مثلاً ثمّ يُعلم لاحقًا أنّ الحقيقة شيء آخر، فالإنسان خطّاء، وقد وقع في كثير من الموارد لكثير من الأعاظم من العلماء والفقهاء الذين نعرفهم أمور أدركوا بعدها أنّهم كانوا مخطئين، فهذا لا إشكال فيه، وليس من الضروريّ أن يكون الخطأ ناشئًا على الدوام من العداوة والخصومة والإنكار والمواجهة للحقّ، كلاّ بل يمكن أن تكون المعلومات التي وصلت إلى الإنسان والتصوّرات التي لديه والميول النفسيّة التي عنده غير واضحة ولا يدري بجذورها، والقضايا التي يتعامل معها الإنسان تسبّب له صورة ذهنيّة يحكم على أساسها بأمر ما، وفي اليوم التالي إذا ما تغيّرت الأحوال يقول: عجيب! الحقّ هنا كان مع هذا وأنا أخطأت وأعطيت الحقّ لغيره، ثمّ يحاول التصحيح والتعويض، حسنًا فلا مشكلة في أن يخطئ الإنسان في أمر ما ثمّ يصحّح!
