
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
7وعليه، أفلا يستحقّ هذا الأمر أن يُقدّم أمير المؤمنين بعض التنازل، ثمّ يقوم بتلافي عواقبه فيما بعد؟! فلو سُئلنا نحن هذا السؤال لقلنا: نعم إنَّه يستحق. [ألا يُقال هذه الأيّام:] ما دام الهدف هو تحقيق إنجاز مهمّ، كإقامة الحكم الإسلاميّ في جميع البلاد الإسلاميّة وإقامة حكومة العدل، فيمكن لك والحال هذه أن تكذب وتُلفّق بعض الأمور!
لو [فتح أمير المؤمنين الشام]، لأقام العدل وما كان ليظلم أو يرتكب منكرًا، بل لَنشر سنّة رسول الله في الكوفة والعراق والشام واليمن والحجاز وبقيّة البلدان الّتي كانت ستُفتح فيما بعد، ولَتغيَّر مجرى التأريخ ولَاتّخذ شكلًا آخر، وهذا مما لا شكّ فيه. فلو كنَّا مكان أمير المؤمنين، وكانت رؤيتنا للأمور على ما هي عليه الآن، لقلنا: وما الضير في ذلك، بل هو الخيار الأرجح، ولْنُطلق على هذا العمل عنوان (كذب المصلحة) وهو مصطلح رائج بين الناس!
ما هو معنى كذب المصلحة؟ ها هم الناس اليوم – ولله الحمد – يفعلون أيّ شيء لإنجاز معاملاتهم، ويبرّرون ذلك بأنّ أمور حياتهم اليوميّة لن تتيسّر إلّا بتلك الطريقة، فانتشر بين الناس القَسم بالله والنبيّ وبكلّ شيء، ولا أدري كيف تنزل اللقمة – والحال هذه – مِن بلعوم أحدهم! [فها هم يقسمون كذبًا في الأمور العاديّة] فكيف فيما يتعلّق بقضيّة مهمّة وحياتيّة كقضيّة موت وحياة أمّة إسلاميّة بأكملها!! وعليه، فلو كنّا مكان أمير المؤمنين في ذلك الوقت لقلنا: دعنا ننتهي مِنَ الأمر بهذه الطريقة وننجزه. نعم لقلنا ذلك جميعًا. فإنّ أحكامنا في مثل هذه القضايا واضحة، ولولا اقتداؤنا بأمير المؤمنين لكانت أفكارنا تدور في ذلك المحور، غير أنَّه لمّا كان لنا إمام كأمير المؤمنين فهو يمنحنا رؤية أخرى للأمور بقوله: ليس لكلّ ذلك أيّة قيمة إن كان سيتمّ بواسطة عملٍ منكرٍ واحدٍ، فإقامة الحكم الإسلاميّ في الشام لا يساوي فلسًا إن كان سيقام ولو بواسطة كذبة واحدة.
هل تنبّهتم أيّها الإخوة كيف أنَّ الأمر في غاية الرفعة. نعم، إنَّ إقامة حكومة إسلاميّة في الشام، وإقرار العدل الإلهيّ بين المسلمين، ورفع الظلم عنهم، والوقوف بوجه الفساد، واستتباب الأمن في المجتمع، وتحقيق العدل في المجالات الشخصيّة والاجتماعيّة، ودعوة الناس إلى الله، والنطق بالشهادتين، ورفع الأذان على المآذن، فكلّ ذلك لا يستحقّ أن يُكذب مِن أجله كذبة واحدة، ولا يستحقّ أن يُمنع بسببه الماء عن معاوية وجيشه، بالرغم مِن أنّهم منافقون بأجمعهم وغير مسلمين – فلم يكن أهل الشام مسلمين سوى أنّهم يؤدّون الصلاة بحسب الظاهر فقط وأين هذا مِنَ الإسلام – نعم لا يستحقّ كلّ ما ذكرناه أن يُكذب بسببه، ولا أن يتحقّق بواسطة عملٍ باطلٍ واحدٍ، ولا يستحقّ أن نعامل القوم بمثل ما عاملونا به. هذا هو مذهب أمير المؤمنين، ولهذا تسيل دموع معاوية عندما يُذكر اسم علِيِّ أمامه.
