
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
6إنّ هذا الكلام يبدو كلامًا سهلًا، وهو ممّا يقوله الجميع عادةً، ونحن نقوله أيضًا، [إلّا أنّه ليس كذلك]، فالتوغّل في مغزى هذا الكلام والتدقيق في تفاصيله وفي تفاصيل تصرفات أولياء الله يعين الإنسان على تشخيص الطريق الصحيح ويساعده على تحديد مصيره. فعلى كلّ واحدٍ منّا أن يغوص في عمق ولبّ هذه القضايا، لكي يتمكّن مِن تحديد ورسم مسير حياته على أساس هذه الدُرر والجواهر الثمينة الّتي يستخرجها نتيجة هذا الغوص، فهذا هو الفضل..
نعم، لقد كان أمير المؤمنين يعرف جميع هذه الأمور جيّدًا، وهو يعرف ما سيحصل مستقبلًا، غير أنَّه يقول: أنا أتعامل بالصدق، ولا يمكنني أن أعمل بغير الصدق، وإن كان مَن يقف في الطرف المقابل هو معاوية. فإن كان مَن يقف قبالي هو معاوية فليكن، وإن كان يعمل المنكرات فليعمل، فلا علاقة لي بما يفعله، فله وقفة أمام ربّه، أمّا أنا فلا ينبغي لي أن أغيِّر نهجي في الحياة مِن أجل ذلك، ولا ينبغي لي أن أستبدل طهارة قلبي وصفاءه بالنجاسة والقاذورات، ولا ينبغي لي أن أجعل باطني كباطنه، ولا ينبغي لي أن أُبدّل ذلك المسير والصراط الّذي قدّره لي ربِّي وأتّخذ غيره. فلمعاوية أن يفعل ما شاء، فهو يعلم كيف ستكون صحيفة أعماله وكيف سيواجه ربّه، ولا علاقة لي بذلك، فأنا علِيّ بن أبي طالب وهو معاوية بن أبي سفيان، فلن أنام في قبره ولن ينام هو في قبري، فلماذا – والحال هذه – علَيّ أن أبدّل حالتي وفق حالات الآخرين، نعم لماذا علَيّ أن أفعل ذلك؟! بل سأدع ذلك له، ولْيعمل ما شاء. فلِمَ أجلب الضرر لنفسي والحال هذه؟! هل التفت الإخوة إلى ما أشير إليه هنا، إنَّ هذا لأمر مهمّ للغاية!
لِمَ فعل الإمام ذلك، فاستمرت معركة صفّين لمدّة ثمانية عشر شهرًا؟! والحال أنّ الإمام لو عمل بما أُشير عليه لَما حصل شيء ممّا حصل، بل كانوا سينتهون مِن أمر معاوية خلال ساعة أو ساعتين، ويفتحون الشام ويُقيمون فيها الحكومة الإسلاميّة، وحينئذ ما الّذي كان سيفعله أمير المؤمنين هناك؛ هل كان سيروّج كمعاوية لشرب الخمر وما شاكل ذلك، أم كان سيُقيم صلاة الجمعة في الشام وفي المسجد الأمويّ – الّذي تُقام فيه صلاة جمعة الآن ولا بدَّ أنَّكم شاهدتموها – وبنفس الكيفيّة الّتي كان يُقيمها في الكوفة، ويخطب على المنبر بتلك الخطب الّتي كان يخطبها في الكوفة؟ فهو لا يسعى إلى إشاعة شرب الخمر والقمار والموسيقى والرقص وما شابه ذلك في الشوارع، بل كان سيُقيم حكومة العدل الإلهيّ في الشام. فهل يعتبر هذا أمرًا قبيحًا، بل أيّ شيء أفضل مِن هذا؟ فما كان يدور في خلد أمير المؤمنين حينها، فهل كان يفكّر في نشر الفساد في المجتمع أم في إصلاحه، ففي أيٍّهما كان يُفكّر؟ إنَّه كان يُفكّر في الإصلاح طبعًا.
