
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
5يقول الإمام هنا: أَقَدِمتُ مِنَ الكوفة إلى هذا المكان لِأمكر! فلو كنت أريد ذلك؛ لَبقيتُ في مكاني واستخدمتُ وسائل أخرى مِن شأنها أن تُطيح بمعاوية، ولَقبلتُ بكلام المغيرة بن شعبة عندما أشار علَيّ أن أُبقي على معاوية في حكومة الشام لعدّة سنوات ثمّ أزيحه عندما تستتبّ لي الأمور. لقد كان المغيرة بن شعبة مِن أهل السياسة ومِمّن يميّز بين الحقّ والباطل جيّدًا، فجاء إلى أمير المؤمنين ناصحًا له .. فقال له أمير المؤمنين: لا أستطيع أن أدع هذا الرجل يحكم إحدى البلدان الإسلاميّة ولو ليومٍ واحد.
هذا مثال واحد فقط على صدق وخلوص أمير المؤمنين، فانظروا إلى هذا الصدق والخلوص كيف يظهر في صفّين؛
عندما استولى جيشه على شريعة الفرات قال له أصحابه: علينا أن نعاملهم بالمثل، فنرهقهم ونجعلهم يستسلمون لنا. فلو كان أمير المؤمنين قد فعل ذلك، أكانت معركة صفين ستقع؟ كلّا، ما كانت لتقع، ولانتهى كلّ شيء في تلك اللحظة. فعندما يرى أفراد الجيش أنَّهم سيموتون مِنَ العطش، فإنَّهم سيرفعون أيديهم مستسلمين بكلّ تأكيد؛ إذ لأيّ شيء يريدون الحكومة، أيُريدونها ليموتوا أم لِيحيوا؟! فإن هلكت جيادهم مِنَ العطش سينتهي كلّ شيء، وسيدخل أمير المؤمنين الشام فاتحًا ويجلس على عرش الحكم.
فلو حصل هذا، أكان المشاركون في معركة صفين سيستشهدون أو يُقتلون سواء مِن جيش أمير المؤمنين أو مِن جيش الشام؟! كلّا، ما كان سيموت أحد منهم – ركّزوا على هذا الأمر – وهل كانت مقاليد الحكم حينئذ ستنتقل إلى أمير المؤمنين أم لا؟ نعم، إنَّها كانت ستنتقل إليه بكل بساطة. فكان كلّ شيء سينتهي بهذا الشكل، أو قد ينتهي بعد معركة يسيرة يخوضها جيش أمير المؤمنين معهم. وبعد ذلك هل كان سيحصل ما حصل للإمام الحسن والإمام الحسين ومَن جاء بعدهما؟ كلّا، ما كان سيحصل شيء مِنه أبدًا. أكان أمير المؤمنين يعرف كلّ ذلك، أم لا؟ نعم، لقد كان كلّ ذلك مشهودًا له، كما نرى هذا المصباح أمامنا الآن.
ولكن قال أمير المؤمنين لهم: لا أستطيع أن أفعل ما تريدون، فروحي مجبولة على الصدق والإخلاص، وإنّ طينة وجودي مصنوعة مِنَ الصدق، فكيف لي أن أعمل هنا بخلاف طينتي الوجوديّة، فأنا جئتُ لمقاتلة معاوية بسبب صدقي، وإلّا لأخذتُ بكلام المغيرة بن شعبة، وجلستُ في المدينة. فأنا أقاتل معاوية مِن أجل أن يحكم الصدق هذه الدنيا، لا مِن أجل أن أجلس على كرسيّ الحكم والسلطان.
