
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
4لذا على كلّ واحدٍ منَّا أن يكون صادقًا في تعامله مع الآخرين، ويجب أن يعلم الجميع أنَّ شيعة أمير المؤمنين هم أهل الصدق ولا سبيل للخداع إلى حياتهم. والجميع سيعرف الحقيقة، سيعرفها الشيعيّ والسنيّ والكافر. [فللناس عقول تميّز بها تصرفات الآخرين] فهم ليسوا مِن آكلي الأعشاب! كما أنَّهم يعرفون مدى تطابق الادّعاءات مع الواقع، فجميع أهل الدنيا يمكنهم معرفة ذلك، كما أنّ الجميع يعلم مقدار تطابق وتنافي كلامي الآن مع الواقع، وهم يتعاملون ويقيّمون علاقاتهم معي على هذا الأساس. هكذا هم شيعة أمير المؤمنين.
إنّ شيعة أمير المؤمنين هم بالشكل الّذي كان معاوية – عندما يوصَف أمير المؤمنين وشيعته وأصحابه أمامه – يأخذ بالبكاء ويقول: والله هكذا كان علِيّ بن أبي طالب، وهكذا كان أصحابه والمحيطين به.
كان قد جُلِب حجْر بن عديّ إلى معاوية – مع العلم أنَّ معاوية هو الّذي قتله، وقبره الآن على مسافة عشرين أو ثلاثين كيلومترًا مِن دمشق وهو المكان نفسه الّذي استشهد فيه مع سبعة أو ثمانية مِن أصحابه – فعندما خرج حجر مِن عند معاوية، التفت معاوية إلى أصحابه وقال: أقسم بالله أنَّني لم أرَ أصلح وأصدق وأطهر مِن هؤلاء النفر، غير أنّ الحكم لا يحتمل وجود أمثالهم. ولذلك أرسل خلفهم مَن يقتلهم في ذلك المكان.
إنَّ معاوية يعرف هذه الحقيقة ويعترف بها، وهو يعرف أمير المؤمنين أكثر مِن غيره؛ فعندما سيطر أمير المؤمنين على شريعة الفرات في صفّين، كان بإمكانه أن يعاملهم بمثل ما عاملوه به [ولكنّه لم يفعل] وهذا ما يعرفه حتّى الصبيان، فهو لا يحتاج إلى تأمّل.
أمير المؤمنين (عليه السلام) عين الصدق ومعركة صفّين مصداق
فعندما سيطر جيش أمير المؤمنين على الشريعة، قال له أصحابه: علينا أن نعاملهم بالمثل. فكان لسان حال أمير المؤمنين – أي أنّ ما سيأتي لم يقله أمير المؤمنين، بل أنا الّذي أقوله على أنه لسان حال أمير المؤمنين وهذا ما يسمّونه بلسان الحال – يقول لهم: رغم أنّكم أصحابي، ولكن إلى الآن لم تعرفوا قائدكم! لماذا قطعنا كلّ هذه المسافة مِنَ الكوفة إلى هنا، فهل كان فعلنا هذا مِن أجل أن نستلم الحكم – إن كان الهدف هو استلام زمام الحكم فأمير المؤمنين يقول كما ورد في نهج البلاغة «َوالله مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، ولَكِنَّه يَغْدِرُ ويَفْجُرُ»۱ – فلو أردتُ أن أعمل كما يعمل لرأيتم حينئذٍ لمِن ستكون الغلبة ومَن مِنّا الأدهى سياسيًّا ومَن الأكثر ذكاءً في استخدام الأساليب الملتوية للوصول إلى الأهداف.
- نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ص ٣۱۸. (م)
