
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
2أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا أبي القاسم محمّد
(اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآلِ محمّد)
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
يبدو أنَّ الموضوع الّذي كنَّا نتحدّث عنه في المجالس السابقة، والمتعلّق بكيفيّة تفريغ النفس وجعلها مستعدّة لتقبّل الحقائق، قد اتّضح للإخوة والأصدقاء إلى حدٍّ ما.
الحاجة إلى الوليّ في رفع نقائص نفوسنا
كنَّا قد وصلنا في ختام الحديث السابق إلى أنَّ النفس الإنسانيّة لمّا كانت تعاني مِن نقاط ضعف نتيجة وجودها في هذه الدنيا وتعلّقها بها، فهي تُبدي ردود أفعال تجاه ما يواجهها مِن حوادث [بما يتوافق و] يرتبط بنقاط الضعف تلك، لذا على الجميع الانتباه وأخذ الحيطة والحذر عند التعرّض لهذه الحالات.
إنَّ الإنسان يستطيع أن يدرك هذا الأمر جيّدًا، لأنّه واضح بحيث لا يحتاج إلى أن يعلم ويستعين بعلم الرمل أو أن يستخدم الاسطرلاب، فكلّ واحدٍ منَّا يستطيع معرفة ذلك بمقدار سعته وإدراكه فـ {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها}۱، فنحن مكلّفون بمقدار بصيرتنا وسعتنا الوجوديّة، ولا يمكن تكليفنا بما يزيد عن ذلك.
نعم، هناك الكثير مِن نقاط الضعف والنقص في نفوسنا لن نعرف عنها شيئًا، وإن أمضينا مئة عام نتفحّص عنها، فلا يمكن أن تُكشف لنا إلّا بالارتباط برجل بصير وخبير أو بوليّ مِن أولياء الله وأستاذ في هذا الطريق، ولا يمكن لأيّ رجل آخر – وإن كان يُعدُّ علّامة دهره – أن يعرف تلك النقائص، حتّى إن قضى مليون سنة يبحث عنها في نفسه. نعم، لا يمكن اكتشافها إلّا بواسطة الارتباط برجل خبير له إشراف على النفوس، وهو الرجل الّذي تكون جميع خصائص الطرف المقابل حاضرةً أمامه كحضور يده أمام عينيه. فهذا الرجل هو مَن يمكنه أن يستخرج تلك الأمور وأن يضع إصبعه على تلك الدقائق الّتي يمكن أن تؤدّي بالنفس إلى التهلكة، ثمّ يبدأ بمعالجتها مِن النقطة الّتي يتوجّب بدء العلاج منها.
إنّ الإنسان ومِن خلال التفكير والتأمّل في نفسه ومراجعة تصرّفاته تجاه الأحداث الّتي تعترض طريقه وما يصادفه في المجالس، ومِن خلال مقارنة نفسه بغيره، ووضع نفسه مكان الآخرين، ووضع الآخرين مكان نفسه، يستطيع مِن خلال ذلك أن يتنبّه – إلى حدّ ما – لبعض الأمور، على أن يقترن كلّ ذلك بخلوص النيّة والصدق والمحافظة على هذا الخلوص القلبيّ. أمّا إن تصرّف بخلاف ذلك، وأراد أن يخلط الأوراق على نفسه، ويتهرّب، ويغضّ النظر عن موقف ما فيتجاوزه إلى غيره، عندما يرى الحقائق تتكشّف لديه، فإنَّ الله حينئذٍ سيمكر به مِن حيث لا يعلم هو ولا غيره، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرينَ}٢. فعندما نريد أن نتّبع المكر مع الله سيقول لنا الله: إنَّ لي اليد الطولى في هذا المجال، فإن أردت أن تجرّب حظّك معي، فسأتعامل معك معاملةً تجعلك لا تعرف السبب الّذي أوصلك إلى ما وصلت إليه، وإن جلست تفكّر في نفسك مليون سنة، وسأُلقي بك في وادٍ سحيق.
- سورة البقرة (٢)، جزء مِنَ الآية ٢۸٦.
- سورة آل عمران (٣)، الآية ٥٤.
