
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
16يقول الإمام الصادق عليه السلام هنا: ما هو سبب وجودك في هذه الدنيا، فهل أتيت لتأكل وتشبع في هذه الأيّام القلائل كما تفعل الحيوانات، أم يجب أن يكون هدفك مِن تناول الطعام هو التكامل وإيصال استعدادك – الّتي وهبك الله إيّاها – إلى درجة الفعليّة ومقام الخلافة الإلهيّة الجامع لكافّة الأسماء والصفات الكليّة الإلهيّة – عليكم التدقيق في كلمة (الكليّة) هذه – فلأيٍّ مِنَ الهدفين جئت إلى هذه الدنيا؟
إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات
ها نحن نقوم ببعض الأعمال .. فنحن نرغب بالأكل، ولكن نستحي أن نصرّح بذلك، فترانا نقدّم التبريرات، كلٌّ انطلاقًا مِن اختصاصه؛
فمَن يعمل في مجال الفيتامينات والمواد المعدنيّة، ولديه علم بخصائص بعض الأطعمة، يقول: إنَّ بدني يعاني مِن نقصٍ في الكالسيوم، فناولني مِن ذاك اللبن الرائب وما شابه ذلك. أو لدي نقص في الحديد، فناولني فاكهة الإجاص الّتي تحتوي على عنصرالحديد. أو أنا أعاني مِن نقصٍ في البروتينات، فاعطني لحمًا مشويًّا مثلًا. [أقول] إنَّ الآخرين يعانون أيضًا ممّا تعاني منه يا هذا، فلست وحدك مَن يعاني مِن هذا الأمر .. وهكذا تراهم يتناولون كلّ ما هو على المائدة بحجة أنّ المادّة تحتوي على فيتامين معين، [وبحجّة] أنّه يعاني مِن نقصٍ في البروتين، وذاك مِن نقصٍ في الكالسيوم أو اليود أو الصوديوم، أمّا الهدف الحقيقيّ مِن وراء ذلك هو ملء هذه المعدة.
أمّا بالنسبة لنا، فلمّا كنّا لا نعرف عن هذه التفصيلات الغذائيّة شيئًا، لأنّا لم ندرس عنها، ترانا نَرِد الميدان مِن طريق آخر، ألا وهو طريق الاستحباب، فنأخذ بالبحث في الروايات لنستخرج ما فيها مِن مستحبّات، فنقول: أكْل القرع أو الباذنجان أو ما شابه ذلك مستحبّ [فينبغي أن آكله]. [أقول] إنَّ كنت يا هذا تريد أن تأكل فكُلْ، ولكن لماذا تفعل ذلك على حساب الإمام الصادق والإمام الرضا وعلى حساب الاستحباب؟!
تذكرتُ الآن حكاية في هذا المجال، كان أحد الأطباء قد نقلها لي، ولا أدري إن كان حاضرًا في المجلس الآن أم لا، ومِنَ المحتمل أن يكون موجودًا؛ كان يعمل في مجال الطّب في إحدى المدن، وكان في تلك المدينة رجل مِن أهل تلك المستحبّات، وهو أمر واضح على سيمائه – لا أريد أن أقدّم المزيد مِنَ التوضيح بشأنه فكلّ مَن ينظر إلى صورته يعرف أنّه مِن أهل هذه المستحبات – فاشتهى هذا الرجل الباذنجان – على ما أذكر – في يومٍ مِنَ الأيّام، فتناول مقدارًا منه، وبما أنّ أكله مستحبّ فلا بدّ والحال هذه مِنَ الإكثار منه! إنَّ مقدار الاستحباب أن يأكل أحدهم مثلًا باذنجانة واحدة، غير أنّ الرجل أكل مِلء قِدْرٍ منه، لينال المزيد مِنَ ذلك الاستحباب! فحصل له اضطراب في الهضم وألم في المعدة، فأرسلوا في طلب الطبيب ليأتي إلى بيته لمعاينته .. [أضف إلى ذلك] أنّ البعض لا يذهبون بأنفسهم إلى عيادة الطبيب عادةً، لأنَّهم يعتبرون ذلك مِن منافيات شأنهم!
