
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
14مِنَ الواضح أنَّ الأمر هو أمر نفسانيّ، ومسألة التلذّذ النفسانيّ هي مسألة غاية في الأهميّة، فلا يمكن للنفس أن تُقْدم على عمل ما لم تكن تستسيغه؛ فأنت لا تأكل الطعام الّذي لا تشتهيه، ولا تقوم بعملٍ تتنفّر نفسك منه، ولا تلبس لباسًا تكرهه، ولا تضع قدمك في طريق لا تحبّ السير فيه، ولستَ تشمّ الروائح الّتي لا تستسيغها .. فهذه هي اللذّة النفسانيّة، ومِن مواردها الطعام، لذا نرى الإمام الصادق عليه السلام يُخرج موضوع تناول الطعام مِن دائرة التلذّذ النفسانيّ، ويُعطيه جانبًا عقليًّا ومنطقيًّا، فيقول مَن كان يريد السير إلى الله وطيّ طريق الكمال والتسامي، فإنّ هدفه هذا يتنافى مع تناول الطعام مِن أجل التلذّذ.
لا مانع – طبعًا – مِن تناول الطعام بهذا الهدف، ولا يُعدّ هذا الأمر منافيًا للشريعة، ولن يُحاسبه الله على إسرافه في تناول الطعام، غاية الأمر أنّ الإنسان سيخسر، هذا إن كان الطعام الّذي يتناوله قد جاء عن طريق الحلال ولم يكن عن طريق الغشّ في المعاملة وعن طريق السرقة والخداع، ففي غير هذه الحالات لن يُحاسَب المرء على ذلك يوم القيامة، فليأكل حتّى يسقط أرضًا ويُغمى عليه مِن كثرة الأكل. أمّا ما سيُسأل عنه هو: عمره الّذي أفناه في هذه الأمور، ولم يحصل على نتيجة.
هذا فضلًا عن إذا كان قد كسب المال بطرق محرّمة ومخالفة لرضا الله، كالاحتكار وخداع الناس وما شابه ذلك؛ فترى إن علم أحدهم أنَّ سعر السلعة [سينخفض] غدًا يسارع في بيعها، ليتحمّل الآخرون الخسارة، ثمّ يبرّر فعلته بحججٍ شرعيّةٍ قائلًا: لا إشكال فيما فعلت، فسعره كان كذا في الأمس أو الأسبوع الماضي.
نعم، يستطيع هذا الرجل أن يخدع غيره مِنَ الناس، ولكن هل يستطيع أن يخدع المَلكَين الجالسين عن يمينه وعن شماله؟ كلّا، لا يمكنه ذلك، لأنّهم يُثبتون كلّ شيء في صحيفة أعماله، لا بطريقة الكتابة الّتي قد يتمكّن مِن مسحها يوم القيامة، بل ستكون كالأختام الّتي تترك أثرًا بارزًا على الورق، وستكون أوراق الصحيفة عبارة عن أختام وتواقيع وشهادات، فستكون بهذا القدر مِنَ الإحكام بحيث لا يمكن معه إتلافها مهما بذل مِن جهد، ولا يمكن التخلّص منها أو إخفاؤها. فعمل الملائكة عمل متقن جدًّا لا يعتريه أيّ ضعف ولا يمكن لأحد أن يطعن فيه.
