
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
13هنالك آيات في القرآن، تتحدّث عن هذا الموضوع وأمثاله، تقول {يا بَني آدَمَ خُذُوا زينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ الله الَّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}۱، إنَّ الآية تدعو للتزيّن عند الذهاب إلى المسجد، وتدعو للأكل والشرب مِن دون إسراف، فالله لا يحب المسرفين، فمَن حرّم الطيبات على المؤمنين؟ نعم، إنَّها خالصة لهم يوم القيامة، ولا نصيب للكافرين منها في ذلك اليوم.
أشار الإمام إلى مسألة الطعام والشراب في رواية [عنوان البصريّ]، وهذه الآيات تتحدث عن مواضيع مختلفة [منها الطعام]، فنحن سنسوق البحث وفق هذه الآيات فنتناول موضوع الطعام والشراب وما يرتبط بهما مِن قضايا ونتوسّع – بحول الله وقوّته – في البحث لنتناول أمورًا خارج نطاق الطعام.
وقبل أن نبدأ بالبحث في مضمون الآية، علينا أن نعرف ما هو الهدف مِن تناول الطعام؛ فهل خُلقنا في هذه الدنيا لكي نأكل كما تأكل الأنعام، أم أنَّ الهدف مِن خلقتنا هو شيء آخر؟ فما هو السبب وراء مجيئنا إلى هذه الدنيا؟ وما هو سبب التغيّرات الّتي تحصل في هذا العالَم؟ وما هو السبب وراء إيجاد كلّ هذا الخلق مِن أجل الإنسان؟ وما هي حقيقة ما امتنَّ الله به على الملائكة في قوله لهم {إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَةً}٢؟ أيُعقل أن يكون كلّ ذلك مِن أجل أن يأكل الإنسان التفاح والبرتقال وأنواع المأكولات صباحًا وظهرًا وليلًا، حتّى وإن كانت تلك الأطعمة محلّلة – ونحن لا نتحدّث هنا عن الأطعمة المحرّمة – فهل الهدف مِن ذلك هو أن يملأ الإنسان معدته ويتلذّذ في أكل الطعام ويتمتّع به نفسيًّا، أم أنّ الأمر أكبر مِن ذلك؟
مِنَ الواضح هنا أنَّ الأمر يفوق ذلك، وأنَّ الهدف مِن تناول الطعام هو بقاء الإنسان واستمرار حياته، تلك الحياة الّتي مِن شأنها أن توصله إلى الكمال. بناءً على هذا، يكون الهدف مِنَ الأكل والشرب هو إيصال الإنسان إلى مرتبة الكمال. أمّا إن أصبح الأكل والشرب مطلوبًا بحدّ نفسه، فسيؤدّي ذلك إلى نقض الغرض مِن وجود الإنسان. أي إن كان هدف الإنسان هو أن يتمتّع بالمأكولات والمشروبات ويتلذّذ بها، وأن يجنّد فكره لتحقيق هذه الأمور، فلن يكون هناك أيّ فرق – حينئذٍ – بينه وبين الأنعام!
- سورة الأعراف (۷)، الآيتان ٣۱ و٣٢.
- سورة البقرة (٢)، جزء مِنَ الآية ٣۰.
