
الصدق قسيم الحقّ والباطل
أسّس سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هنا للبحث حول قوله عليه السلام (فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه) بمجموعة مِنَ المقدّمات؛ أُولاها وأُسّها (الصدق مع الله)، مُبيّنًا ذلك بمصداقه تارة كأمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صفّين، وبضدّه تارة أخرى كبعض أقارب الأئمّة (عليهم السلام). ثمَّ تلتها بقيّة المقدّمات بالترتيب التالي: إحدى الفروقات الدقيقة بين النفس المحكمة والمتشابهة – أهميّة القراءة المباشرة للقرآن وكلمات المعصومين – الهدف مِن تناول الطعام – كيفيّة إحضار الأعمال يوم القيامة – إيجاد المبرّرات لتلبية الرغبات (قصّة الطبيب مع آكل الباذنجان) – قصّة طبيب العيون مع العلّامة الطهرانيّ وأخرى مع صاحب نفوذ – قصّة طبيب القلب مع العلّامة الطهرانيّ. ولا يخفى ارتباط ذلك كلّه بحاجتنا للولي في رفع النقائص النفسيّة، وهو ما افتتح سماحته به هذه المحاضرة
الصدق قسيم الحقّ والباطل
12لماذا نؤمر بقراءة القرآن مِن المصحف؟ إنّ قرأت سورة مِنَ القرآن، كسورة الفجر أو الحديد مثلًا، [مِن حافظتك الذهنيّة] لن يكون لها ذلك التأثير الّذي تتركه القراءة عن المصحف مباشرة عبر النظر إلى كلماته، فلهذه الطريقة تأثير أكبر مِنَ الطريقة الأولى. فكما أنَّ لمعاني الآيات القرآنيّة تأثيرًا روحانيًّا على النفس، فتعمل على رفع الظلمة والشبهات عنها، فكذلك الأمر مع الألفاظ الظاهريّة للقرآن، فلها نورانيّتها وتأثيرها الخاصّ، وهو تأثير لا يمكن أن يحصل للنفس ما لم يقع نظر القارئ على كلمات الآيات.
إنَّ العظماء عندما يوصون بضرورة قراءة حزب مِنَ القرآن في اليوم، لم يقصدوا القراءة عن ظهر قلب، نعم لا بأس بذلك عندما لا يتوفر مصحف، أمّا إن كان لديه مصحف فعليه أن يقرأ منه. علينا الالتفات إلى هذا الأمر ..
الوصيّة الأولى في رياضة النفس؛ إيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه
قال الإمام الصادق عليه السلام لعنوان «ثلاثة في رياضة النفس وثلاثة في العلم وثلاثة في الحلم». أي لا بدّ مِنَ الإشارة إلى ثلاثة أشياء تتعلّق برياضة النفس، وثلاثة تتعلّق بالحلم في علاقة المرء مع الآخرين وهي أمور غاية في الأهميّة، وثلاثة أمور – مِن تلك الأمور الخطيرة جدّا – تتعلّق بالعِلم والمعرفة. فتلك هي الوصايا التسع، وسنبدأ اليوم – بحول الله وقوّته – في شرح الوصيّة المتعلّقة برياضة النفس.
يقول الإمام «أَمَّا اللَوَاتِى فِى الرِّيَاضَةِ: فَإيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيه». فأوّل ما عليك رعايته هو أن لا تأكل ما لا تشتهيه .. هناك الكثير ممّا يمكن أن يُقال في هذا المجال، وسنتناوله في المجالس القادمة بشكل تدريجيّ، وسنصل إلى ما وعدنا الإخوة به، حيث كان بعض الإخوة في المجالس يقول لي: لقد أكلت قليلًا. [ويقول آخر:] أكلت كثيرًا. فكنت أجيبهم قائلًا: كلوا الآن ما شئتم، فنحن لم نصل في شرح رواية عنوان البصريّ إلى موضوع الطعام. فكانوا يقولون: نأمل أن يتأخّر هذا الأمر، وأن لا تصل النوبة إلى شرح تلك الفقرات حتّى ينقضي عدد مِنَ السنين، مِن ثمّ يتّضح تكليفنا في ذلك. وذلك لأنَّ الرواية تقول «فَثُلْثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلْثٌ لِشَرَابِه» وأن يترك ثلثًا آخر لكي يتمكّن مِنَ التنفّس جيّدًا، فعلى كلٍّ منّا أن يقسّم معدته إلى ثلاثة أقسام: الأوّل منها للطعام، والثاني للماء، وأن يترك القسم الثالث فارغًا لكي يستطيع الطعام أن يدور في المعدة، إذ كيف يمكن للطعام أن يدور فيها إن كانت ممتلئة، وكيف ستصلها العصارات الهاضمة عندها؟! وها قد وصلنا الآن إلى هذا الجزء مِنَ الرواية، فلا مفرّ بعد الآن مِن هذا الأمر، فسأستعرض للإخوة بعض ما يتعلّق بهذا الموضوع إن شاء الله.
