
مصاديق النفس المحكمة والنفس المتشابهة
أثار سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة شعلة محكمة لا تشابه فيها، حين التفت إلى أقسام الآيات القرآنية المحكمة منها والمتشابهة، فجعل النفس إحدى تطبيقاتها، فالنفس إمّا محكمة أو متشابهة. وأورد لكلّ منهما جملة مِنَ المصاديق، تميّزت بالدقّة والمحوريّة، ملاحظًا أثرها في البناء السلوكيّ للنفس على المستويين الشخصيّ والاجتماعي. ومِن تلك المصاديق؛ خطيب يُحرّف تفسير آية – مسألة لطفية عن الشيخ مرتضى الحائريّ رحمه الله – تعطيل نعمة العقل – سقيفة بني ساعدة – الحرّ بن يزيد الرياحيّ – رفع المصاحف في صفّين – قضيّة حصلة مع سماحة المحاضِر – بدعة أداء صلاة التراويح جماعة – المختار بن عبيدة الثقفيّ .. واشتملت المحاضرة على تفسير دقيق لجملة مِنَ الآيات القرآنيّة. ولم يخل المقام مِن فقرات تلخّص مقاطع بحثه بأجمل إيجاز. وختم بثلاث إضاءات تتعلّق بالأشهر الثلاثة (رجب وشعبان ورمضان) وهي: السكوت والعِشرة والبيئة.
مصاديق النفس المحكمة والنفس المتشابهة
13بناءً على هذا، فإلى مَن يجب أن يلتجأ المرء؟ فهل يوجد غير الأئمّة مَن نستطيع أن نلتجئ إليه؟ إن التجأ أحد إلى غيرهم فليس إلّا مجنونًا.
كان هذا نموذجًا مِن تلك المصاديق، وإن أردنا التوسّع في البيان فهنالك الكثير ممّا يمكن أن يُقال في هذا المجال، والإخوة مِن أهل الاطّلاع، فبإمكانهم استخراج المزيد مِنَ الجزئيّات والفروع.
مِن مصاديق النفس المتشابهة: رفع المصاحف على الرماح في صفيّن
{فَأَمَّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}، فإنَّ الّذين في قلوبهم ظلمة وانحراف يتوجّهون إلى [الآيات المتشابهات]، فما هو العامل الّذي يدعوهم للسعي وراءها؟ إنّه القلب .. ليس هنالك أيّة ظلمة وعتمة وإبهام في الآيات القرآنيّة، بل إنّ الظلمة موجودة في باطننا نحن، فلمّا كان الباطن مُظلمًا ستكون جميع الآثار المترشّحة عنه ظلمانيّةً.
إنَّنا نقرأ القرآن، غير أنَّ ما نستنتجه مِن آياته يكون ظلمانيًّا .. لقد كان معاوية وعمرو بن العاص يقرؤون القرآن أيضًا، ولكن عندما وصل بهم الأمر إلى وجوب التمسّك بما جاء في القرآن، رأيناهم يرفعون القرآن على رؤوس الرماح مِن أجل القضاء على القرآن الناطق، أي على علِيِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقالوا: لماذا نتقاتل فيما بيننا، دعونا نحتكم إلى القرآن. [أقول: إن كان الأمر كذلك] فلماذا لم يقوموا بهذا بالأمس أو قبل أسبوع أو شهر؟! إذ استمرّت معركة صفين ثمانية عشر شهرًا، فلماذا لم يفعلوا ذلك خلال تلك المدّة، أم أنّ أوانه لم يكن قد حان إلّا في هذا الوقت، حتّى أتيتم الآن لتقولوا: حسبنا كتاب الله فلنحتكم إليه؟! أين كنتم مِن هذا الأمر طيلة الأشهر الثمانية عشر الماضية، ألم تتنبّهوا إلى وجوب الرجوع إلى القرآن إلّا في هذه اللحظة الّتي كان فيها مالك الأشتر على بُعْد أمتار قليلة مِن خيمة معاوية؟! إنَّ هذا هو أحد مصاديق المتشابهات.
فقد جاء [حينها] أولئك الّذين هم مِن أهل الظاهر إلى الإمام علِيّ وهم يقولون: لماذا تقاتلهم وها قد رفعوا المصاحف عاليًا؟! فقال لهم الإمام: لماذا لم يفعلوا هذا الأمر إلى الأمس؟! قالوا له: لقد كانوا مخطئين، وها هم يتراجعون عن خطئهم، فلماذا نقاتلهم؟! قال لهم الإمام: لقد قاتلناهم لمدة ثمانية عشر شهرًا مِن أجل أن نصل إلى هذه اللحظة الّتي سنجتثّ فيها هذه الجرثومة عن وجه الأرض، وأنتم تقولون توقف عن الحرب!! وهكذا حتّى وصل بهم الأمر إلى أن رفعوا السيوف فوق رأس أمير المؤمنين قائلين له: إمّا أن تأمر مالك الأشتر بالعودة أو سنُقطّع جسدك قطعة قطعة. إنَّ هؤلاء القوم هم ممّن في قلوبهم زيغ، فهم لم يجلسوا ليفكّروا في أنفسهم أنّه: لو كان القوم صادقين في دعواهم، لِمَ لَم يفعلوا هذا الأمر مِن قَبل .. وإن كانوا يدّعون التمسّك بالقرآن، فلماذا رفض معاوية خلافة الإمام علِيّ، وبغى عليه عندما بويع الإمام بالخلافة .. ولماذا فعل معاوية ذلك مع خلافة علِيّ ولم يفعل ذلك مع خلافة عثمان وعمر؟ أفلم يكن معاوية يؤمن بوجوب طاعة الخليفة، فللخليفة الحقّ في تنصيب الولاة وعزلهم، فلماذا تمرّد معاوية على الخليفة وقام بتنصيب نفسه خليفة؟ عمر هو الّذي نصّب معاوية [واليًا على الشام]، ولكن ها قد تسلّم الخليفةُ الرابع الخلافةَ، وهو يريد عزل هذا الوالي ..
