
مصاديق النفس المحكمة والنفس المتشابهة
أثار سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة شعلة محكمة لا تشابه فيها، حين التفت إلى أقسام الآيات القرآنية المحكمة منها والمتشابهة، فجعل النفس إحدى تطبيقاتها، فالنفس إمّا محكمة أو متشابهة. وأورد لكلّ منهما جملة مِنَ المصاديق، تميّزت بالدقّة والمحوريّة، ملاحظًا أثرها في البناء السلوكيّ للنفس على المستويين الشخصيّ والاجتماعي. ومِن تلك المصاديق؛ خطيب يُحرّف تفسير آية – مسألة لطفية عن الشيخ مرتضى الحائريّ رحمه الله – تعطيل نعمة العقل – سقيفة بني ساعدة – الحرّ بن يزيد الرياحيّ – رفع المصاحف في صفّين – قضيّة حصلة مع سماحة المحاضِر – بدعة أداء صلاة التراويح جماعة – المختار بن عبيدة الثقفيّ .. واشتملت المحاضرة على تفسير دقيق لجملة مِنَ الآيات القرآنيّة. ولم يخل المقام مِن فقرات تلخّص مقاطع بحثه بأجمل إيجاز. وختم بثلاث إضاءات تتعلّق بالأشهر الثلاثة (رجب وشعبان ورمضان) وهي: السكوت والعِشرة والبيئة.
مصاديق النفس المحكمة والنفس المتشابهة
12فأخذ الحرّ يستحضر جميع هذه الأمور في ذهنه ويزنها بعقله، فكان قد وضع في رأسه مخًّا بشريًّا، لا مخًّا حيوانيًّا أو جبسًا، فقارن بين المعسكر الّذي هو فيه والمعسكر الآخر، وفكّر في الأمور تفكيرًا منطقيًّا، فوجد جهنّم في هذا الجانب والجنّة في ذاك، وبهذا اتّضحت له جميع الأمور. وعندما يصل المرء إلى هذه المرحلة، يأتيه الشيطان عادةً ويقول له: إن ذهبت إلى هناك سوف تُقتل، وسيحلّ بأهلك وعيالك كذا وكذا .. وبهذا تقع النفس في دوّامة. غير أنَّ الحرّ ركل جميع هذه الأفكار برجله، ولعن كلّ ما قد يحول بينه وبين التحاقه بمعسكر الإمام الحسين. فما هذا الّذي حصل هنا؟ الّذي حصل هو أنَّ الله أعان الحرّ وهداه إلى الطريق الصحيح.
كان الحرّ يشعر في هذا الموقف بالخجل، ممّا كان قد فعله [بالإمام الحسين قبل توبته]، فكيف سيذهب إلى الإمام الحسين والحال هذه! لم يكن الحرّ يعلم أنَّ الإمام الحسين هو البحر المحيط، فهو لا ينظر إلى تلك الأمور أبدًا حتّى لو فعل الحرّ مثلها أضعافًا مضاعفة، فإنَّ الإمام يقول هنا: لا شأن لي بماضيك، فكلّ ما يهمّني مِن أمرك هو ما أنت عليه الآن، فأنا لست مِن أهل الحقد، فلا شأن لي بماضيك، ولن أفتح ملفّك لأنظر فيما فعلت في الماضي البعيد أو قبل سنتين – هذا ما عليه الآخرون عادةً – يقول الإمام هنا: لستُ مِن أهل الحقد والضغينة، بل أنا منزّه عنهما، فأنا البحر المحيط وأنا [مَظْهر] وجود الله غير المتناهي، نعم أنا مَظْهر وجود الله الّذي لا نهاية له، فمِمّ تستحي؟! أتستحي مِنَ الله؟! إنَّني مَظْهر لله، فتعال إلينا ولا داعي للخجل هنا.
وأنتم تعرفون الكيفيّة الّتي استقبل بها الإمامُ وأصحابُه الحرَّ، إنَّهم استقبلوه وكأنَّ شيئًا لم يكن، وكأنَّ الحرَّ لم يسدّ الطريق بوجه الإمام ولم يتسبّب بكلّ ما حصل [بعد ذلك] .. إذ لو لم يفعل الحرّ ذلك لَمَا حدثت واقعة عاشوراء، ولأخذت الأحداث مجرى آخر؛ فلربما كان الإمام سيذهب إلى اليمن حيث تتواجد أعداد مِن شيعته هناك تحفظه. نعم، إنَّ كلّ ما حصل في عاشوراء مِن قتلٍ واستشهادٍ، كاستشهاد علِيّ الأصغر وغيره، إنَّما كان بسبب ما فعله الحرّ في بداية الأمر. ومع كلّ هذا فقد استقبله الإمام وكأنَّه لم يفعل شيئًا. بل أكثر مِن هذا؛ فالإمام لم يُلحق الحرّ بأصحابه وحسب، بل جعله بابًا للحوائج، فمَن يتوسّل بالحرّ يُستجاب دعاؤه.
