
مصاديق النفس المحكمة والنفس المتشابهة
أثار سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة شعلة محكمة لا تشابه فيها، حين التفت إلى أقسام الآيات القرآنية المحكمة منها والمتشابهة، فجعل النفس إحدى تطبيقاتها، فالنفس إمّا محكمة أو متشابهة. وأورد لكلّ منهما جملة مِنَ المصاديق، تميّزت بالدقّة والمحوريّة، ملاحظًا أثرها في البناء السلوكيّ للنفس على المستويين الشخصيّ والاجتماعي. ومِن تلك المصاديق؛ خطيب يُحرّف تفسير آية – مسألة لطفية عن الشيخ مرتضى الحائريّ رحمه الله – تعطيل نعمة العقل – سقيفة بني ساعدة – الحرّ بن يزيد الرياحيّ – رفع المصاحف في صفّين – قضيّة حصلة مع سماحة المحاضِر – بدعة أداء صلاة التراويح جماعة – المختار بن عبيدة الثقفيّ .. واشتملت المحاضرة على تفسير دقيق لجملة مِنَ الآيات القرآنيّة. ولم يخل المقام مِن فقرات تلخّص مقاطع بحثه بأجمل إيجاز. وختم بثلاث إضاءات تتعلّق بالأشهر الثلاثة (رجب وشعبان ورمضان) وهي: السكوت والعِشرة والبيئة.
مصاديق النفس المحكمة والنفس المتشابهة
19أمّا مسألة عدم الخوض في المواضيع المفيدة غير الضروريّة؛ فهي وإن لم يكن فيها سوء أو عدم فائدة، إلّا أنّ على الإنسان أن يتجنّب الخوض فيها أيضًا في هذه الأشهر الثلاثة، فعليه أن يزيد مراقبته وأن يراعي فيها السكوت إلّا في الموارد الضروريّة منها.۱
كان المرحوم العلّامة يقول: كان الكثير مِنَ الأساتذة وتلامذتهم يشتغلون ويختلُون بأنفسهم في هذه الأشهر، كانوا يضعون حصاةً صغيرةً في أفواههم، لكي تمنعهم مِنَ الكلام إن حصل أمامهم حديث وأرادت النفس أن تستعرض أمام الآخرين. إنَّ مثل هذه الأشياء تحصل أحيانًا، إذ يطرح أحدهم موضوعًا، فيراه الآخر باطلًا، فتتحفّز النفس هنا للرّد عليه. لا يا هذا، ليس عليك مِنَ الأمر شيء، فاجلس أنت واكتف بالسماع ولا حاجة لردّك عليه، فهناك مَن سيتولّى هذه المهمّة – كما سبق وبيّنتُ – فلا حاجة لأن تصرف جهدًا في هذا المجال فيوجد – ولله الحمد – مَن سيكفيك ذلك، فإن ذلك واجب كفائيّ.
وأنا لا أقصد هنا أنّه علينا القيام بنفس ذلك التصرّف [وهو وضع الحصاة في الأفواه]، بل قصدتُ الإشارة إلى ضرورة دوام المراقبة، وسيجني الإنسان ثمارها بنفسه. إنّ مسألة السكوت لمسألة في غاية الأهميّة، فكم يحصل أن يفقد الإنسان تلك الآثار العباديّة وآثار التوجّه إلى الله بسبب كلام واحد يخرج مِن فمه، فتتلاشى تلك الآثار وكأنَّه لم يكن قد بذل جهدًا في أداء تلك الأعمال والمراقبات. ويحصل ذلك على وجه الخصوص في المشاجرات الّتي تحصل داخل البيت، فلهذا الأمر دور كبير هنا، فعلينا أن نُبعِد أنفسنا عن هذا الجوّ وأن لا نتدخّل ونُبدي رأينا في كلّ ما يحصل، بل علينا أن نفوّض الأمر إلى الآخرين، كلٌ بحسب مجاله، بشرط أن لا يتجاوز الحدود المسموح بها. فليُبعد الإنسان نفسه قليلًا؛ عن تلك الأمور الّتي تخصّ شريكه في العمل وجاره، وعمّا يجري في الخارج مِن ذهاب وإياب وسير في الشارع والجلوس في السيّارة. فإن ارتكب أحدهم عملًا باطلًا، فلا يلزم عليه التدخّل والردّ، وإن أراد أحدكم أن يتدخّل في كلّ ما يجري في الشارع والزقاق سيهدم كلّ ما بناه. نعم، علينا أن نتجنّب التدخّل في شؤون الآخرين، وعلينا أن نشتغل بما كُلّفنا به.
- يظهر ممّا تقدّم أنّه (قدسّ الله سرّه) قسّم المسائل الّتي يتكلّم بها الناس إلى ثلاث أقسام؛ مواضيع غير مفيدة، ومواضيع مفيدة ولكنّها غير ضروريّة، ومواضيع مفيدة وضروريّة. (م)
