
مصاديق النفس المحكمة والنفس المتشابهة
أثار سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة شعلة محكمة لا تشابه فيها، حين التفت إلى أقسام الآيات القرآنية المحكمة منها والمتشابهة، فجعل النفس إحدى تطبيقاتها، فالنفس إمّا محكمة أو متشابهة. وأورد لكلّ منهما جملة مِنَ المصاديق، تميّزت بالدقّة والمحوريّة، ملاحظًا أثرها في البناء السلوكيّ للنفس على المستويين الشخصيّ والاجتماعي. ومِن تلك المصاديق؛ خطيب يُحرّف تفسير آية – مسألة لطفية عن الشيخ مرتضى الحائريّ رحمه الله – تعطيل نعمة العقل – سقيفة بني ساعدة – الحرّ بن يزيد الرياحيّ – رفع المصاحف في صفّين – قضيّة حصلة مع سماحة المحاضِر – بدعة أداء صلاة التراويح جماعة – المختار بن عبيدة الثقفيّ .. واشتملت المحاضرة على تفسير دقيق لجملة مِنَ الآيات القرآنيّة. ولم يخل المقام مِن فقرات تلخّص مقاطع بحثه بأجمل إيجاز. وختم بثلاث إضاءات تتعلّق بالأشهر الثلاثة (رجب وشعبان ورمضان) وهي: السكوت والعِشرة والبيئة.
مصاديق النفس المحكمة والنفس المتشابهة
17ولقد حاول أمير المؤمنين أن يُعيد سنّة رسول الله إلى ما كانت عليه، فواجهه أولئك القوم السُكارى والحيارى بقولهم: أتنهانا عمّا كان يفعل آباؤنا يا علِيّ. أتعتقدون أنَّ آية {إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ}۱ تحكي حال الكفار والمشركين فقط؟! كلّا يا سادة، بل هي تشمل حتّى الشيعة، وتشملنا نحن المتواجدين في هذا المكان، نعم إنَّها تشمل الجميع. [فعندما أراد علِيّ إعادة سنّة النبيّ] تصايح القوم: وا سنّة عمراه، أتريد أن تُبدّل السنّة الّتي سنّها عمر! [أقول:] إن كان عمر قد سنَّ هذه السنَّة، فإنّ النبيّ قد سنَّ لكم قبله تلك السنَّة، وها أنتم تتخلّون عن سنّة النبيّ وتتمسّكون بسنّة عمر! فلِمَ يحصل هذا؟! إنَّه يحصل لوجود زيغ في قلوبهم، فلم يستثمر القوم عقولهم .. ولو فرضنا أنَّ النبيّ لم يكن قد شرّع لكم ذلك الأمر، فهل مِنَ الصحيح أن تُساووا بين النبيّ وعمر الّذي لم يكن يعلم كم عدد أصابع يده؟!
هذا هو التشابه، ولهذا السبب نرى الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: نحن آيات الله المحكمات، فكلامنا أهل البيت كلامٌ محكم لا يقبل التأويل. وهذا هو عين الحقّ. أمّا في الطرف المقابل، فماذا يوجد؟ توجد المتشابهات، وهناك يتواجد محبّو [الخلفاء الغاصبين] السائرون على نهجهم.
مِن مصاديق النفس المتشابهة: المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ
جاء في إحدى الروايات أنّ رجلًا سأل الإمام الصادق عليه السلام عن مصير المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ في الآخرة .. [والمختار هذا] هو الرجل الّذي قام [ضدّ حكومة ابن زياد] بعد واقعة عاشوراء، وقتل قتلةَ الإمام الحسين، فأرسلهم إلى جهنّم، وكان للإمام السجّاد عليه السلام دعاء في حقّه٢. إنَّ الرواية طويلة، جاء في ذيلها أنّ الله سيأمر بالمختار إلى نار جهنّم٣ لأنَّه لم يكن يؤمن بإمامة الإمام السجّاد، بل كان يقول بإمامة محمّد بن الحنفيّة٤، وكان يقوم بأعماله بأمرٍ مِن محمّد بن الحنفيّة، فيستغيث المختار بسيّد الشهداء قائلًا له: لي حقّ عليك. فيأتي خطاب يقول: نعم، بما أنَّ هذا الرجل قد أرسل القاتلين في يوم كربلاء إلى جهنّم، فهو مشمول بشفاعة الإمام الحسين (عليه السلام). وبذلك يخرج المختار مِنَ النار بشفاعة الإمام. ثمّ يسأل الراوي الإمام الصادق: لماذا يُلقي الله المختار في نار جهنّم مِنَ الأساس؟ فيقول له الإمام: لأنّه كان يوجد ميل في قلبه تجاه الأوّل والثاني. ثمّ يُردف الإمام قائلًا: واللهِ لو وُجِد مقدار ذرّة مِن محبّة هذين الرجلين تحت جناحي جبرائيل وميكائيل، وهما ملكان مقرّبان مِن حملةِ العرش، لألقى الله بوجهيهما في النار. ففي عين التولّي لا بدّ مِنَ التبرّي [أي أنّ التولّي توأم التبرّي]، فلا معنى لأن يتولّى أحدهم أهل البيت ويحبّهم، وفي الوقت نفس يميل قلبه إلى أولئك القوم، نعم لا يمكن أن يكون هذا الأمر صحيحًا بأيّ حال مِنَ الأحوال.
- سورة الزخرف (٤٣) جزء من الآية ٢٣.
- بحار الأنوار، الشيخ محمد باقر المجلسي، ج ٤٥، الحديث ۱٣ ص ٣٤٤. (م)
- المصدر نفسه، ج ٤٥، الباب ٤٩، الحديث ٥ ص ٣٣٩، والحديث ۱٥ ص ٣٤٥. (م)
- هو ابن أمير المؤمنين عليه السلام، وأمّه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفيّة. (م)
