
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
كلّما فُتح شراع مِن أشرعة (تفريغ القلب) وُجِدَ شراع آخر ينتظر دوره. فنجده قَدّسَ الله نفسه، وبجَلَدٍ عزيز، لا يتوانى عن فتحها وإن طال به المقام. بيّن سماحته أنّ هذه الأشرعة تتمحور حول لواء التوحيد، وإلّا لكانت هباءً منثورًا. وخلاصة ما قدّمه هذه المرّة؛ أنّ للسلوك بلا استاذ نتائجَ عكسيّة، وأنّ الناس يتفاوتون في تقبّلهم للتعليمات وتعاملهم معها، وأنّ طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد. وفي السياق نفسه تحدّث عن محل نزول الملائكة والوحي، وأنّ مَن يتجاوز حدّه يلقى عقابه، فجميع الأمور مبنيّة على حساب دقيق. ثمّ تعرّض للأفعال المتشابَهة، وعرض بعض الآيات المحكمات ذات البرامج السلوكيّة. وتحت هذه المواضيع فسّر جملة مِنَ الآيات القرآنيّة.
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
9فمِن أجل مَن قال السيِّد الحدّاد ذلك الكلام؟ نعم، لقد قاله لأجلنا .. فهو أراد أن يقول: هل ما تريد نقله سيزيد مِن ثقتنا بالرجل أم سيزعزعها، فإن كان سيزعزعها فلماذا تنقله، أَنقْله سيفيدنا في دنيانا أو آخرتنا أم سيُشوّش أذهاننا؟
لنفترض أنَّ أحدكم الآن يُسيء الظنّ بي، فقد يكون محقًّا في ذلك الظنّ وقد لا يكون، وعلى كلّ الأحوال، فهو يُسيء الظنَّ بي، فهل مِن مصلحتي أن أطّلع على ما يدور في ذهنه أم لا؟ ما دام لم يذكره على لسانه ولم يخبرني به أحد، وما دام الخبر لم ينتشر بين الآخرين بعدُ [فلماذا أشغل ذهني باحتمال ذلك]. بل لنفترض أنّه فَلَتَ لسانه فذكره، فهل يُفترض – والحال هذه –أن يُسارع أحدهم وينقل الخبر لي قائلًا: لماذا أنت جالس مكانك، تعال وانظر ما الّذي قاله فلان عنك، فقد ذكرك في ذلك المجلس بكذا وكذا .. وعندها يبدأ الذهن بالتجوال – كأنّه ماكينة تمّ تشغيلها فأخذت دواليبها بالدوران أو كأنّها قاطرة ما لبثت تتحرّك بمجرد تشغيلها – قائلًا: يا للعجب، هل قال عنّي هذا الكلام، لا بدّ أنَّ كلامه الآخر قصد به كذا وكذا ولم أتفطّن للأمر حينها، ولعلّه كان يقصد شيئًا آخر في كلام آخر له .. وهكذا يستمرّ الذهن في جولاته. عليك التريّث يا هذا، فما هذا الّذي تفعله؟! نعم، تراه ينطلق دون توقّف، كما تنطلق القاطرة دون توقّف ما إن تتحرك على السكّة، إذ لا يوجد في طريقها ازدحام وإشارات مرور حمراء، وإن أعاقها شيء تدوسه، سواء كان إنسانًا أو قطارًا، وتدمّر كلّ ما يقع أمامها، فهي بدون سائق تسير وتسير باتّجاه واحد.
إنَّ العظماء يلومون الأوّل على ما تفوّه به، وينذرونه مِنَ العذاب الّذي يترتّب على فعله، وفي الوقت نفسه يلومون المَحكيّ عليه ويقولون له: عليك أن تعرف أنَّ مَن تكلّم عليك هو رجل فاقد للاتّزان والوقار، فلماذا ترتّب على كلامه كلّ هذا الأثر، ولعلّ كلمته تلك كانت مجرّد فلتة لسان، أو لعلّه كان في حالة عصبيّة حين أطلقها، أو لعلّه أراد شيئًا آخر .. وعلى كلّ حال، كان عليك أن تغلق الموضوع حين سمعته.
