
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
كلّما فُتح شراع مِن أشرعة (تفريغ القلب) وُجِدَ شراع آخر ينتظر دوره. فنجده قَدّسَ الله نفسه، وبجَلَدٍ عزيز، لا يتوانى عن فتحها وإن طال به المقام. بيّن سماحته أنّ هذه الأشرعة تتمحور حول لواء التوحيد، وإلّا لكانت هباءً منثورًا. وخلاصة ما قدّمه هذه المرّة؛ أنّ للسلوك بلا استاذ نتائجَ عكسيّة، وأنّ الناس يتفاوتون في تقبّلهم للتعليمات وتعاملهم معها، وأنّ طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد. وفي السياق نفسه تحدّث عن محل نزول الملائكة والوحي، وأنّ مَن يتجاوز حدّه يلقى عقابه، فجميع الأمور مبنيّة على حساب دقيق. ثمّ تعرّض للأفعال المتشابَهة، وعرض بعض الآيات المحكمات ذات البرامج السلوكيّة. وتحت هذه المواضيع فسّر جملة مِنَ الآيات القرآنيّة.
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
4لقد ابتلي أحد أصدقائنا مؤخرًا بمثل هذه المشكلة، فعندما تقدّم لخطوبة فتاةٍ، كانت تلك الفتاة ترغب بمهر السنّة، غير أنَّ أبويها أصرّا أن لا يقل مهرها عن مهر أختها الّتي خُطبت قبلها، والّذي كان ألفَي مسكوكة ذهبيّة. والآن هما على عقد شرعيّ منذ مدّة، ولكنّ العقد الرسميّ لم يُنجز بعدُ، وقد تحيّروا في أمره [لأنّ الوالدين لا يقبلان بمهر السنّة والزوج لا يريد أن يدفع إلّا مهر السنّة]، والحال أنّ العقد الرسميّ الّذي يُكتب في المحضر له حساب وكتاب وآثار قانونيّة، وبما أنّ الزوج – في الواقع – لا يريد أن يدفع ذلك المهر فسيكون في العقد إشكال شرعيٌ. وإن تمّ العقد بناءً على مهر صوريّ، ففي حليّة هذا العقد إشكال، فلا بدَّ أن يكون المهر مُنجَّزًا وصحيحًا ومُحدّدًا، وإلّا لقام كلّ شخص بتحديد مقدار المهر [وفق ذوقه ومزاجه] كأن يحدّده مثلًا بألف مسكوكة أو مليون مسكوكة ذهبيّة .
لا أتذكّر أحدًا سبق المرحوم العلّامة في الترويج لمهر السنّة – وإن كنتُ طفلًا حينها – ثمّ تبعه الكثيرون في ذلك .. والنبيّ لم يقل أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بذلك الزمان فقط، فلو كان الأمر كذلك لقال أنَّ الحكم يختصّ بذلك الزمان – الّذي كانت فيه قيمة الدرهم ما كانت – ولقال: ستتنوّر أفكار أمتي في آخر الزمان، وسيكبر حجم مخّهم بمقدار كذا. فإن كان وزن مخ عرب الجاهليّة في الجزيرة العربيّة ثمانمائة غرامًا، فقد تضخّم اليوم وأصبح يعادل أربع أو خمس كيلوغرامات، فعقولهم قد تكاملت في هذا الزمان، وعليه فلم يعد ذلك الأمر مقبولًا اليوم، ولم تعد تلك الأمور الّتي طُرحت في ذلك الزمان تتناسب مع حاجات أهل هذا الزمان!! [هذه سخرية مِن سماحته].
ما الّذي يمكن أن أقوله بشأن أهل هذا الزمان؟! فليتنا كنَّا نعيش في ذلك الزمان بدلًا مِن هذا!! كنتُ قبل مدّة في مجلس وذكرتُ لأحد الإخوان قضيّة لا بأس أن تسمعوها الآن، وقد حصل ذلك قبل مدّة مِنَ الزمن .. علينا أن نعرف على يد من تدوّن بعض قوانين هذه الأيّام، ومن هم الّذين يسنّون قوانين حقوق الإنسان وأمثالها، وكم بلغت عقولهم مدارج الفكر النيِّر والخارق، وكم تميّزوا عن مخلوقات الأزمنة الغابرة. نعم، كم تكاملت عقول هؤلاء الّذين يعيشون في عصر التكنولوجيا الجديدة؟! ففي فرنسا، الّتي كانت إلى وقت قريب تُعتبر مهد الفكر والحريّة – أمّا الآن فقد دُقت طبول فضائحهم في كلّ مكان – تراهم قد سنُّوا قانونًا يسمح للناس في بعض المدن بالتجوال دون قيدٍ أو شرطٍ. ما الّذي يعنيه هذا؟ إنَّه يعني أنَّ بإمكان الرجال والنساء أن يظهروا في الشوارع والأسواق عراة تمامًا وعلى مرأى مِنَ الجميع صغيرهم وكبيرهم. وقد حصل هذا الأمر وهو يحصل الآن وفي هذا الوقت الّذي أتكلّم معكم فيه، ومَن شاء فليذهب وليتأكّد مِن صحّة كلامي بنفسه.
