
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
كلّما فُتح شراع مِن أشرعة (تفريغ القلب) وُجِدَ شراع آخر ينتظر دوره. فنجده قَدّسَ الله نفسه، وبجَلَدٍ عزيز، لا يتوانى عن فتحها وإن طال به المقام. بيّن سماحته أنّ هذه الأشرعة تتمحور حول لواء التوحيد، وإلّا لكانت هباءً منثورًا. وخلاصة ما قدّمه هذه المرّة؛ أنّ للسلوك بلا استاذ نتائجَ عكسيّة، وأنّ الناس يتفاوتون في تقبّلهم للتعليمات وتعاملهم معها، وأنّ طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد. وفي السياق نفسه تحدّث عن محل نزول الملائكة والوحي، وأنّ مَن يتجاوز حدّه يلقى عقابه، فجميع الأمور مبنيّة على حساب دقيق. ثمّ تعرّض للأفعال المتشابَهة، وعرض بعض الآيات المحكمات ذات البرامج السلوكيّة. وتحت هذه المواضيع فسّر جملة مِنَ الآيات القرآنيّة.
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
3أرأيتم كيف أنَّ بعض مَن يرتكب الذنوب، وهم يمتلكون قلوبًا صافية، أرأيتم كيف ينفجرون بالبكاء عندما يُذكر اسم الله أمامهم، ويقولون: إنّ الله يعلم مقدار ما نحن عليه مِن سوء .. [اعلموا] أنَّ هؤلاء الناس أفضل وأسمى مِن أولئك الّذين أمضوا مثل عمر نوح في العبادة مِن تلقاء أنفسهم بدون أن يكون ذلك وفق أمرٍ قد أُمروا به، ومِن دون رعاية موازين تربية النفس وتزكيتها، ودون أن يضعوا أنفسهم تحت تربية وهداية رجل خبير أو أستاذ كامل. نعم، سيكون أولئك أفضل مِن هؤلاء بكثير، وذلك لأنَّ أقلّ ما يمكن أن يُقال هو أنّ شيئًا مِنَ الصفاء والنور ما زال في قلوبهم، فلا تزال هناك نقطة ارتباط لهم بالله – فهم بعكس الّذين لم يتبقَّ لديهم أيّ شيء – وهناك طريق في قلوبهم يمكن أن يُوصلهم إلى الله، فلا تزال قلوبهم مستعدّة لتقبّل الأوامر والنواهي والتعليمات.
الناس يتفاوتون في مستوى تقبّلهم للتعليمات وتعاملهم معها
لقد شاهدتُ بنفسي المئات مِن هذه الحالات في عهد المرحوم العلّامة (رضوان الله عليه) وأكثر منها بعد ارتحاله، وذلك مِن خلال التعامل مع أُناسٍ مختلفين وفي ظروف مختلفة. كنتُ أشاهد كيف أنّ رجلًا مِن عامّة الناس – مِنَ الّذين لا يتحايلون في معاملاتهم ولا يداهنون ولا يبرّرون أفعالهم [كيفما كان] ولا يبغون رفع مكانتهم الشخصيّة – عندما يتمّ توصيته بأمر ما، فهو يستقبله برحابة صدر ويعمل بموجبه دون أن يراوغ فيه يمينًا وشمالًا.
لقد ذكرتُ للإخوة – خلال هذه الفترة – نماذج كثيرةً لهذا الموضوع؛ إحداها هو مهر السنّة، والّذي تكلّمت عنه مرارًا. ويوجد الكثير مِن هذه النماذج البسيطة وغير المعقّدة. قال رسول الله: أبلغني جبرائيل أن آمر أمتي أن يجعلوا مهر نسائهم كمهر ابنتي فاطمة الزهراء. وهي رواية موثّقة، أي إنَّها تشبه في وثاقتها وثاقة روايات الصلاة والصيام والحجّ، الّتي نؤدِّي تكاليفنا وفقها. وهي الرواية المنقولة عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في كتاب محاسن البرقيّ، يستطيع الإخوة مِن طلبة العلوم الدينيّة مراجعتها هناك.۱
فقد نزل جبرائيل بأمر مِنَ الله على الرسول يأمره أن يبلّغ أمّته أن يجعلوا مهور نسائهم بمقدار مهر السنّة الّذي يبلغ خمسمائة درهم شرعيّ، والمساوي لمائتين واثنين وستين مثقال فضّة صيرفيّ ونصف المثقال، وهو المثقال المعروف في الأسواق باسم (مثقال أحمد شاهي)٢. هذا كان أمر النبيّ لأمّته، وهو لم يقل لهم أنَّ هذا الأمر مختصّ بزمانه أو أنّه خاصّ بعرب الجاهليّة أو بالمسلمين المتواجدين في جزيرة العرب فقط، ولم يقل أنَّه أمر خاصّ بمَن يعتبرهم المجتمع صلحاء. كلّا، إنَّه لم يقل شيئًا مِن هذا، بل بيّن الأمر بكلّ وضوح وصراحة. على أنَّ النبيّ ترك أيضًا الباب مفتوحًا أمام الآخرين في تحديد مقدار المهر المراد تقديمه، فليدفع المرء ما شاء، وإن بلغ مائة مليون كيلوغرام مِنَ الذهب.
- كتاب (المحاسن)، أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ، ج٢، ص ٣۱٣. (م)
- نسبةً إلى الملك أحمد شاه القاجاريّ. [المترجم]
