
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
كلّما فُتح شراع مِن أشرعة (تفريغ القلب) وُجِدَ شراع آخر ينتظر دوره. فنجده قَدّسَ الله نفسه، وبجَلَدٍ عزيز، لا يتوانى عن فتحها وإن طال به المقام. بيّن سماحته أنّ هذه الأشرعة تتمحور حول لواء التوحيد، وإلّا لكانت هباءً منثورًا. وخلاصة ما قدّمه هذه المرّة؛ أنّ للسلوك بلا استاذ نتائجَ عكسيّة، وأنّ الناس يتفاوتون في تقبّلهم للتعليمات وتعاملهم معها، وأنّ طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد. وفي السياق نفسه تحدّث عن محل نزول الملائكة والوحي، وأنّ مَن يتجاوز حدّه يلقى عقابه، فجميع الأمور مبنيّة على حساب دقيق. ثمّ تعرّض للأفعال المتشابَهة، وعرض بعض الآيات المحكمات ذات البرامج السلوكيّة. وتحت هذه المواضيع فسّر جملة مِنَ الآيات القرآنيّة.
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
20دعونا أيّها الأخوة – مِنَ اليوم – نكتب هذه الآيات، كآية {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، ونعلّقها على الجدار. فكم هو أمر مستحسن أن نستعيض عن لوحات الأباطيل والترّهات بهذه الآيات القرآنيّة الجميلة، فنكتبها بخطٍّ جميل ونجعلها لوحة جذّابة، وبذلك يقرؤها الكبير والصغير ويستفيدون منها.
انظروا إلى هذه اللوحة الّتي أمامكم والّتي كُتِبَ عليها «يا حجّة بن الحسن»، كم هي لوحة جميلة. فكم هو مُستحسن أن تكتب عبارات كعبارة «الّلهمّ إنَّا نَرغبُ إليكَ في دولةٍ كريمةٍ تُعزُّ بِها الإسلام وأهله ...»، لاحظوا جمال هذه العبارة، فعندما نسمع بأمثال هذه العبائر الصادرة عن المعصوم، تكاد الروح تخرج مِنَ البدن لتسمو وتحلّق عاليًا.
أتعلمون أنّ هذه العبارة هي الّتي نشرها المرحوم العلّامة بمناسبة النصف مِن شعبان في الوقت الّذي كانوا يُعدّون للقيام بالثورة الإسلاميّة، فجعلها لوحة ووزّعها على الآخرين بمناسبة النصف مِن شعبان، وكان قد أرسل نسخًا منها إلى مدينة النجف، فما الّذي كان يسعى لتحقيقه في ذلك الوقت؟
«اللهُمَّ إِنّا نَرْغَبُ إلَيْكَ في دَوْلَة كَريمَة تُعِزُّ بِهَا الإسْلامَ وَأهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفاقَ وَأهْلَهُ، وَتَجْعَلُنا فيها مِنَ الدُّعاةِ إلى طاعَتِكَ، وَالْقادَةِ إلى سَبيلِكَ، وَتَرْزُقُنا بِها كَرامَةَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ»۱؛ إنَّ كلّ وجودنا يا ربِّ هو مِن وجود إمام الزمان، فنحن لا نملك لأنفسنا شيئًا، وكلّ ما نقوم به فهو لأجله، وكلّ خطوة نخطوها فهي للوصول إليه، فهو هدفنا، وكلّ شيء لدينا هو له. لاحظوا كيف ستتبدّل أوضاعنا لو جرت الأمور على هذا المنوال، وكيف ستختلف عمّا هي عليه الآن، سيكون الفرق كالفرق بين السماء والأرض وكالفرق بين المشرق والمغرب.
فلو كان كلّ ما يقوم به الإنسان مِن عمل، كالصيام والجهاد وإقامة العدل ودحض الظلم، نعم لو كان كلّ ذلك يجري مِن أجل إمام الزمان، ألن يساعدنا إمام الزمان [حينئذ]، أيُعقل أن يضع إمام الزمان حينئذٍ إحدى يديه على الأخرى ويتفرّج علينا؟! فالتفاوت كبير جدّا بين أن نكون على الحالة الّتي وصفتها آنفًا، وبين أن نكون على الحالة الّتي نحن عليها الآن. وها نحن في حالتنا هذه نُلصق بإمام الزمان كلّ ما نقوم به، والحال أنّه يعيش في غيبة لا يستطيع معها الدفاع عن نفسه!
- إقبال الأعمال، السيّد ابن طاووس، ج۱، ص۱٤۱-۱٤٢. (م)
